ة-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997
تحرير الرها وأثرها عله مجر الحروب الصليبية
د. إبراهیم زعرور جامعة دمشق-قسم التاريخ
تعد مدينة أورهي (الرّها) E0٤5۸ -اليوم أورفا في تركية- حاضرة أوسروين» من أمهات مدن بلاد الجزيرة من حيث موقعها الاستراتيجي» ومكانتها العلمية والأدبية» ومركزها كنقطة انطلاق للحركة التجارية في كل المنطقةء ودورها الفعال المتميز في نشر تعاليم الديانة المسيحيةء ليس في المدينة وما جاورها من المدن والقرى فحسب وإنما في مناطق بلدان الشرق بخاصة وآسية بعامة. ويعتز السريان كعرب ويفتخرون بماثر هذه المدينة الخالدة» ويمجدون ذكرى ماضيها التليدء ويهللون لمواقف آبائهم الرهاويين من أمثال: مار افرام» ومار دابو» ومار يعقوب» ويؤمنون بأن التقاليد والأمجاد والبطولات السالفة التي ارتبطت بماضي الها تشكل عنصرا هاما من عنلصر مقومات وحدتهم ضمن أمتهم العربيةء وكما قيل قديما أن "لا إنسان بلا تاريخ ولا تاريخ بلا إنسان". لقد عرفت الرّها عبر ماضيها الطويل أهم القادة العسكريين والسياسيين من بابليين وآشوريين ورومان وفرس» ولكن دورها برز بشكل خاص أولا في العصر السلوقي» ثم تبلور ونما ونضج أكثر عند اعتناقها الديانة المسيحية..
إن المسافر الذي يصل إلى أورفا من الغرب -على الطريق الذي سلكته
القوافل سعيا وراء التوابل والأحجار الكريمة والموصلين والحرير من الهند والصين» والذي سلكته أيضا الكتائب الرومانية البيزنطية والحجاج وطلاب
_ تحرير الرها وأثرها ى الحروب الصليبية.
العلم- قليلاً ما يخطر بباله المشهد الذي ينتظره إلى أن يصبح على بعد بضعة أميال من المدينة(.
وبعدئذ ينحدر الطريق الملتوي بشدةء وتفسح التلال البنية الجرداء المجال للاشجار والبساتين»؛ وتمتد حقول القمح في سهل حران بعيدا إلى الجنوب على قدر ما تستطيع العين رؤيته» ثم تبدو المكعبات البيضاء للأبنية الجديدة في أملاك أورفا فجأة أمام البصر؛ وبعد التواءةٍ أخرى في الطريق تتكشف القباب ومآذن المساجدء وأخيرا وعلى مسافة بعيدة يظهر عمودان شيقان متوجان بتاجين كورنثيي النمط على قمة القلعة يسيطران من شاهق على الريف» أشران مزيدان منعزلان من الزمن الروماني.
إن الترتيب الذي تبرز فيه معالم أوروفا هو ذو أهمية غريبة» وهي تمثل ثلاث مراحل متتابعة متعاقبة في تاريخ المدينةء فأورفا اليوم هي مدينة مزدهرة» سكانها حوالي ثمائين ألف نسمةء ومركز لوالء وهي المدينة الرئيسية لإقليم واسع؛ ولقد ترك الإسلام طابعه على عادات ومظهر المدينةء وغرفت المدينة باسم الرّها أو أوديساء وكان لها بطبيعة الحال أكثر من شهرة محلييةء وبقيت لأكثر من ألف سنة تحتل مركز! فريدا في العالم المسيحي بصرف النظر عما إذا كان حكامها من الرومان أو البيزنطيين أو العرب أو الأتراك أو من الأرمن أو اللاتينء ولقد قرنتها التقاليد بالسيد المسيح نفسه»ء وبالنشاطات التي قامت بها إرساليات المسيحية الإولى» وإليها أيضا أمّ الحجاج من مدن ما بين النهرين وبلاد الفرس حتى من الشرق الأقصى» وكانت أساطيرها معروفة ومبجلة في أوروبة الغربية قرونا قبل العصر النورماندي» وكائت أديرتها وكهوفها مساكن للقديسين والعلماء والشعراء» وكانت شهيرة في العالم المتمدن بأنها مولد الفلسفة والأدب السريانيين.
كانت سيطرة البيزنطيين لئ الرآها ضعيفةء فالمنطقة التي هي مركزهاء كانت صغيرة ولم تكن اتمتد أكثر من ثمائين كيلومترا إلى الشمال الشرقي لتضم
محلة دراسات تاریخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997 . أبرا
السويداء» وكانت هناك إمارات إسلامية قوية في الشرق» كما أن حران تبعد أقل من أربعين كيلومترا إلى الجنوب» أما سروج فالمسافة نفسها إلى الغضرب»› وكانت الطريق المباشرة من الرها إلى القاعدة البيزنطية في إنطاكية تقطعها القوات الإسلامية من حلب» وكانت سميساط على نهر الفرات» شمال شرق الرها توفر الاتصال السليم الوحيد بالمقاطعة المسيحيةء ولكن حتى الطريق إلى سميساط كانت تهددها القوى الإسلاميةء والواقع هو أن الانشقاق بين الزعماء العرب الصغار على تخوم خلافتي بغداد والقاهرة العربيتين الإسلاميتين هو الذي سمح للمقاطعة المسيحية المسدودة المسالك في الرّها بالبقاء. ومع هذا فإن انعدام الوحدة وتجزئة مناطق الحكم لم تكونا حككرا على الجانب العربي الإسلاميء» فهذه الحقبة كما هو معروف في تاريخ المنطققة شاهدت النمو القطري لإمارات مسيحية أنشاها محاربون أرمن خرجوا من أوطانهم في المشرق ممتدين من أعالي الفرات عبر هضبة الأناضول» وغدا الأرمن قواد الحاميات البيزنطية ونالوا الحظوة لمهارتهم وشجاعتهم» ولكن لم يكن لهم أي ولاء للإدارة المركزية للإمبراطوريةء وقام البيزنطيون من الرّأها بغفزوات للمقاطعات المجاورة لحّران وسروج» ويبدو أن سيادتهم الداخلية الاسمية كان معترفا بها من قبل شبيب بن وثاب النميري حاكم حران»ء وقام بيزنطيو الها مع شبيب بحملة مشتركة ضد نصر الدولة المرواني -حاكم آمد ومياففارقين- سنة 426ه -1035-34ء» ومهما يكن فقد كان شبيب حليفا لا يُعتمد عليه»ء ففي سنة 427ه-1036م(» احتل السويداء من البيزنظيين وحاصر الرآها نفسها بقوات أرسلها نصر الدولةء ونجح قائد الرّها بالهرب ولكنه بينما كان عائدا إلى الرّها على رأس خمسة آلاف محارب وقع في كمين وطلب شبيب المدينة ثمنا لإطلاق سراحه»ء ولم يكن. أمام السكان الذي أضرت بهم المجاعة طريق سوى التسليم» ودحر المسلمون قوة مختلطة من المرب والبيزنطيين بقيادة حسان بن المفرج أمير طي حاول أن يأتي لنجدة الرّهاء غير أنهم لم يستطيعوا زحزحة الحامية البيزنطية من القلعةء ويقال أنهم فقدوا مئتي رجل في
7
تحرير الرها وأثرها ی | الصليبية.
هذه المحاولةء فنهبوا المدينة عوضاً عن ذلك» وقبضوا على ثلاث آلاف شاب وامرأة كما يقول مدونو الأحداثء وأرسلوا مائة وستين حمل جمل من الرؤوس إلى آمدء ولكن بدون امتلاك القلعة لم يستطيعوا احتلال الرّهاء وعندما قام البيزنطيون بمناورة هجوم مصطنع على حران انسحب شبيب كلياء وفسي سنة 8ه-1037م ظهر خطر عظيم على جناحه الشرقي ببروز قوة السلاجقةء فسلم شبيب مدينة الرّها للحامية البيزنطية عن حكمه» إذ كانت الحامية قد عززت بجيوش أرسلها قسطنطين أخو الإمبراطور باسيل الثاني ذابح البلغار من إنطاكيةء وتكون السنوات التالية سجلا مكررا من العنف» وفي حوالي سنة 437 هم-1045 مء قيل أن السلاجقة احتلوا مدينة الرّها (وملطية وسميساط)» ولكنهم تراجعوا عنها بعد حين» وكان "قطبان" ٥١2م1ة٥ الها سنة 1059م يوحنا دوستزس وشاركت القوات العسكرية الأهلية للمدينة بقيادة القائد تافاداتس بغارة بيزنطية ناجحة على آمد» ولكن قوات السلاجقة كانت بازدیاد ادى للرآها في تصاعد» فغزوا المنطقة عدة مرات سنة ۸459 ___- 6م والسنة التاليةء ودحروا الجيوش البيزنطية -مرة بواسطة حقد أو خيانة حاكم الرّها وأحد ضباطه- وأخذوا أسر ى عديدين» وفي سنة 461 هم-1067م دخل قائد بيزنطي لقلعة مجاورة في معركة مع السلاجقةء ولکنه دحر» واشتری قائد الرآها حريته بعشرين ألف دينار وهذه سابقة اتبعت مرارا في القرن التاليء
وبعد أربع سنوات في ربيع سنة 463ه-1071م» سار ألب أرسلان غربا كنهر فاضت جوانبه" فدفعت السويداء له فدية واستسلم له حصن آخر» وبعد أن
استرجع الرهاويون عزيمتهم من الرعب الأولي الذي أصابهم من غارة هذا السلطان الكبير» دافعوا عن أسوارهء والمهم أن السلاجقة هاجموا المدينة ولسم يستطيعو ا اختراق التحصينات»› وبعد حصار طويل ثم الاتفاق على دفع الفدية التي قدرت بخمسين ألف دينار» والاعتقاد السائد آنذاك أن انرّها قبلت سلطة السلاجقة الاسمية واستمر السلطان بمسيرته غرباء وبعد زمن قصير مرٴ ألب أرسلان بجانب الرّها عند رجوعه إلى الشرق فاستلم من قائدها الهداياء والجياد
-8-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997
والبغال والمؤن» وخلصت المدينة من هجومه»ء وفي السنة نفسها تقدم الإمبراطور رومانوس ديوجينس بنفسه لمحاربة السلاجقةء فقابله ألب أرسلان ودحره في منازكرد في شهر آب من السنة نفسها وأطلق سراح الإمبراطور بعد أن تعهد بتسليم المدن الرئيسية في الجزيرة بالإضافة إلى مبلغ ضخم من المال... وبهزيمة منازكرد""'ء انهارت المنطقة الدفاعية البيزنطية بأكملها في الجزيرةء والاضطراب الداخلي في العاصمة أضعف قوتها لاسترجاع الأرض الضائعة والحروب المستمرة أنقصت عدد السكان في المنطقة وأهملت الحقولء وفي الرّها فقط وجد أمن ووفر وحياة هانئةء واستقر بفعل العوامل الداخليية والخارجيةء ويكتب مدوتو أحداث 473ه 1080-1079م» أنه في الأماكن الأخرى "كان الأشخاص المشهورون والنبلاء والزعماء والنساء الراقيات يتجولون ويستجدون خبزهم... والجثث مطروحة دون دفن... ومات الكثير من الكهنة والرهبان المحترمين... وهم يجرون خطواتهم على أرض غريبة» وجرت أحداث كثيرة ومتتالية انتهت بموت ملكشاه سنة 485ه-1092م» الذي تحطمت سلطنته الواسعة التي عاش فيها المسلمون والمسيحيون بوئا.("ء ونشب قتال ثانية بين مُدَعَي السلطة نتيجة الانشقاق وفي سنة 488ه-1094م قبض على بزان في معركة ضد تتش الذي أرسل رسالة في الحال إلى الرها يطلب تسليم المدينةء ويبدو أن بُزان حاكم الرّها كان قد أثر تأثيرآ طييا في الرآها فرفض السكان والحامية في القلعة الخضوع وتسليم المدينة دون إشارة ما من بُزان نفسه» فصرفوا رسول تتش صفر اليدين(”'.
وأما المدير الإداري للرّها طوروسء» فقد خشي أن يُدخل السلاجقة الذين في القلعة جيوشا غريبة ويكسبوا السيطرة على المديئةء لذا شيد على عجل سور داخليا بخمسة وعشرين برجا بمحاذاة النهر شمال القلعة» من باب النهر في الغرب وحتى كنيسة القديس ثيودور» وأكمل السور قبل أن يصل من تتش جواب سريع: رأس بزان نفسه مقطوعا مع القائد ألب ياروق» الذي كان يحمل
E:
تحرر الرها وأثرها ف الخروب الصليسة.
تعليمات بالاستيلاء على القلعةء وأن تعطى المدينة للجند كي ينهبوها لأنها رفضت أوامر طاعة تتش» وركز ألب ياروق نفسه في القلعة وخيم عسكره غربي المدينة حول كنيسة القديس يوحنا المعمدان... وبععمد وفاة تتش(" بالمكيدة التي دبرت له في شباط 489ه-1095م غدت القلعة ثانية في أيدي المسيحيين» ويمكننا الافتراض بعد أن آلت الأمور إلى طوروس أنه اعترف بسلطة بيزنطية... وبعد حين وجيز»ء أي في سنة 489ه-1096م» قام سكمان حاكم سروج الأرتقي وحاكم سميساط بلدوق وحاصر الرها وأحدث ثغرات في السور»ء ولكن قبل أن يستفيدا من نجاحهما بلغتهما أخبار وصول قوات سلجوقية منافسة تحت قيادة رضوان بن تتش حاكم حلب ويغسيان الأنطاكي فلاذا بالفرار... وحاصر القادمون الجدد الرّها بدورهم» وقاومت المدينة هجماتهم» غير أنهم تقاتلوا ثم تركوا الحصار“'ء ولكن الشعب الرهاوي كان قد تضعضع من كل جانب وغدا الآن منهكا من الأخطار التي تعرأض لها بصورة مستمرةء وكانت طرق مواصلاتهم قد قطعتها الحاميات التركية في سميساط وآمد وحران وسروج» وأصاب حقولهم التلف والدمارء كما أخذ الأتراك أبناء وجهائشهم كرهائن» فالتفتوا بأنظارهم إلى أماكن أخرى طلبا للغوث» وهكذا بدأت الحقبسة الغربية التي ختمت مصير الرّها المسيحية ختما نهائيا.
ووصلت الأنباء إلى الرّها بان القوات الصليبية قد قدمت إلى نهر الفرات بقيادة الأمير بلدوين دو بويون (أخو غودفري-الذي سيكون أول ملك لمملكة القدس اللاتينية) وتوجهت من مرعش شرقا فتمكنت من الاستيلاء على بعسض مناطق الثغور الإسلامية البيزنطية ووصلت أخيرا إلى الرّها فاحتلتها واتخذت منها قاعدة لأولى إمارات الصليبيين في المشرق'ء ومما لا شك فيه أن الروايات تعددت حول تقديم المساعدات للفرنجة من أجل احتلال الرّها وإنطاكية أيضاء ويرجع البعض أنه من أسباب نجاح هذه الفئة عند إنطاكية والرّها كون الكثيرين من سكان تلك المناطق كانوا إما سريانا أو من أصل أرمنيء يضاف
تق
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997
إلى هذا أن سيادة التركمان على المنطقة كانت سيادة سطحية مكروهة وليس لها قواعد متينةء ثم أن دفاع التركمان وحربهم ضد الفرنجة كان على طريقة البدو في قاعدة الكر والفر. ثم أن الأرض لم تكن "بعد أرض تركمانية"٠ والذي دفع التركمان للتصدي لجموع الفرنجة هو الدفاع عن ملكهم ومصالحهم» وربما وجد
شيء يسير من الشعور الديني» إنما بلا ريب لم يكن من القوة والكفايية بمکاد (6,
وأدرك سكان الرّها بسرعة أنهم استبدلوا سيدا بسيد آخر.. صحيح أن المدينة استمرت في شهرتها السابقة كحصن للمسيحية» ولكن حكامها الجدد كانوا غرباء غير متعاطفين مع التقاليد وأسلوب الحياة في المنطقة» ورأت الرّها نفسها تسير في نهج مليء بالأخطار.. وعلى العموم نجد أنه على الرغم من التحاسد القائم بين بعضهم بعضاء لم يتمكن الصليبيون من توسيع أملاكهم شوق SS وأمراء الأراتقة نجحوا في الاحتفاظ بالأراضي القريبة من المدينة في قبضتهم» وكان هذا يرجع إلى حد
كبير إلى عدم فعالية القواد التركمان باستثناء القائد مودود"' سنة 504ه__- 7ه-1113-1110مء ومهما يكن من أمر فإن الفرنجة جابهوا في الأتابكي أمير الموصل عماد الدين زنكي خصما ذا دهاء وعزم وحيلة واسعة» بينما كلن حاكم الرّآها جوسلين الأصغر عديم الأثر والشأن. وكانت الرّها شوكة في جنب الأتابكة» وعمل زنكي كل جهده ليبقيها محايدةء وفي سنة 525ه-1129م» بينما كان زنكي مارا قرب الرّها أرسل رسالة صداقة ة أعلن فيها رغبته فسي السلام مع الفرنجةء فأرسل له الرهاويون لقاء ذلك الهدايا والطعام والشراب› ولكن الموقف تبدل الأن فقد جر جوسلين على نفسه عداء عماد الدين زنكي حين عقد ميثاقا مع منافسه الأرتقي قرا أرسلان حيث سلم هذا الأخير قلعة إلى جوسلين» وحدث في هذه الآونة سنة 538ه--1143م أن مات الأميران المسيحيان اللذان ربما كان باستطاعتهما كبح جماح وخطط زنكي التوسعية»
تا
تحرير الرها وأثرها ک الخروب الصليسة.
ففي نيسان سنة 538ه-1143م توفي الإمبراطور البيزنطي يوحنا الثاني كومينوس الذي کان الاأمل يعمر قلبه بتعزيز مطلبه في بسط سلطته على كل من ألرّها وإنطاكية وفي تشرين الثاني من السنة نفسها توفي فولك ملك و )
وانتظر زنكي أحسن الفرص» وراقب تطور الأحداث في الرّها بواسطة حكام خران المسلمين» وفى نهاية 539ه-1144م ترك جوسلين المدينة مصحوبا بقوة كبيرة» وبموجب ما يقوله المؤرخون وتؤكده المصادر أنه كسان يحضر نفسه ليقوم بغارة على منطقة الرقة ليقطع خطوط مواصلات زنكي أو لأسباب أخرى منها الذهاب إلى إنطاكية أو إلى تل باشر لاقتراف أعمال الفسق والمتعة هناك.
وفي الحال أرسل زنكي جيشا ليباغت الرّهاء فسار الجيش أثناء النهارء وفي الليلة التالية» ولو وصل الجيش تلك الليلة لوجد السكان غير مهيئين كلياء ولكن ظروف الطقس وانهمار المطر بشدة أديا إلى أن الجند أضلوا الطريسق واقتربوا من المدينة في الفجر عن طريق حران» وفي يوم الثلاناء الثامن والعشرين من تشرين الثاني سنة 539ه/1144م» عندما مروا في الريف جنوب الأسوار لاحظوا بسرعة أن المدينة معززة تعزيزا خفيفا فأرسلت رسالة إلى زنكي بواسطة الحمام الزاجل» فأتى بعد يومين ليحيط بالمدينة من كل جانب» وجرى حصارا محكما للرّآها وكانت تعيش التناقضات بسبب وجود الفرنجة والمسيحيين العرب وغير ذلك من الأقوام المختلططةء ويكتب وليم الصوري بتوبيخ صارم قائلا: أنه كان في الرّها 'سريان وبعض الأرمن من غير المحاربين وعبيد يجهلون كليا استخدام واستعمال السلاح» ويعرفون فقط فنون التجارة'ء بالإضافة إلى بعض أفراد اللاتينء كان في الرّها مؤن كافية من السلاح والمأكولات» كما كان لها سور قوي مع القلعة العليا والقلعة السفلى بأبراج عالية"» ويضيف وليم الصوري: 'لنجعمت هذه الأشياء كلها ضد
-12-
60-کانون2-نیسان-997 1[
مجلة دراسات تاريخية-العددان 59-
المهاجمة»ء لو كان هناك شعب يريد القتال من أجل الحرية ويقاوم العدو
إن ملاحظات وليم الصوري الانتقادية هذه إنما تعكس ازدراء الفرنجة للمسيحيين المحليين» وهم مظلومون بهذا النقد الفاضح من كاتب إفرنجي... فإذا كنا نتفق مع ما قاله باسيل بارصومانا فإنهم لم يتخلوا عن عنادهم الشرس وروح العزم والإرادة الذاتية في وجه أحداث جلبت الكوارث والفاجعهة على سكان الها "لقد قاوموا مقاومة شديدة وصمدوا (أمام الهجوم) بشجاعة طالما كانوا قادرين على ذلك» ولم يترك التركمان شيئا هذه المرة للصصدف» فاقاموا الاستحكامات الترابيةء ونصبوا آلات الحصارء وانهالوا على الأسوار بالتدميرء وأهالوا وابلاً من النبال على داخل المدينةء وحفروا الخنادق تحت الجسر خارج الباب الشمالي... وأراد زنكي أن تستسلم المدينة كي لا يهلك سكانها وألا تدمر (المدينة) وطلب من الرهاويين أن يسلموا تحت شروط متفق عليها وأجابوا زنكي بالإهانات والشتائم... ومع ذلك فقد كانت تحصينات المدينة لا أمل منهاء وأصاب سكان المدينة والمدافعين عنها الإنهاك من شدة الجموع لأن حصار زنکي کان محکماء وأرهقت النساء والفتيات من التعب إلى حد يفوق الوصف وهن يحملن الحجارة والماء والضروريات الأخرى للرجال المحاربين وكن ' هدفا متواصلا للمنجنيقات» وأحدثت ثغرة في السور وقوضت أساساته» وكانت نفايات من ألواح الخشب مكدسة والفجوات قد علقت» أي حشيت بمواد مشبعة بالنفط والدهن والكبريت» جاهزة لإضرام النار فيهاء وبموجب إحدى الروايسات فإن التركمان دعوا الرهاويين ليأتوا ويتفحصوا أعمال الحصار لإقناعهم بأن لا سبيل لهم سوى الاستسلام» وبالفعل كانت أجهزة التقويض قد جهزها حلبييون لهم معرفة جيدة بطبوغر افيا الرّهاء وبعد حوالي أربعة أسابيع من بدء الحصارء وفي اليوم الثالث والعشرين من كانون الأول أو ليلة عيد الميلاد» أضرم جنود زنكي النار في العوارض قرب الباب الشمالي وأتت النيران على الدهن
-13-
تحرير الرها وأثرها ى الحروب الصليبية.
والكبريت» وحملت ريح شمالية الدخان نحو المدافعين فتداعى السور العظيم وسقط معه برجان إلى الأرض» وبرهن البناء الذي أقامه الرهاويون داخل السور على أنه قصير العمرء واستطاع جنود زنكي دخول المدينةء وبعد يومين من دخولها سلمت المدينة» وانتهت ت المقاومة فيهاء وقام زنكي بتفقد المدينة وعاين السجناء» وأطلق سراح عشرة آلاف جندي واتخذ إجراءات منها انتزاع الذهب والفضة والأواني والكؤوس والطاسات من الفرنجة... وبعد أربعة أيام من دخول زنكي الرّها غادرها إلى حران والرقة تاركا في الها واليا اسمه زين الدين علي كجك '؛ وهو رجل صالح عمل الكثير من المعروف» ومعسه سبعة نواب» وفي كانون الثاني سنة 540ه-1145م سقطت سروج في يد زنكي» ومن هناك سار جيشه إلى البيرة على نهر الفرات» وبعهد حصار دام أربعين يوما خلصت فقط بانسحاب زنكي ليعالج مؤامرة قامت في الموصل» وكان تحرير الرها انتصار! حاسما ونقطة تحول كبرى في تاريخ الوجود اللاتيني في الشرق»ء وأصاب ابن الأثير وغيره من المؤرخين العرب حين أثثوا وأشادوا بزنكي وبينوا أنه استحق الجنة لفتحه الر“هى(.
وكانت أصداء تحرير الرّها كبيرة جداً في بغداد مما دفع بالخليفة إلى تبجيل زنكي ومنحه المزيد من الالقاب الباذخة من ذلك أنه سماه زين الإسلامء الملك المنصور الغازي» ناصر أمير المؤمنين" وأهداه جيادا عدتها من ذهب»› وسيفا ذهبيا وراية ورداءَ وعمامة سوداء(.
أما بالنسبة للفرنجةء فقد كانت نتائج سقوط الرّها خطيرة» إنها قضت على طموحهم للسيطرة على أراضي شرقي الفرات» وذاع النبأ في العالم المسيحي بأن مدينة أبجر سقطت في أيدي المسلمين» وبدا الخطر وكأنه هدد إنطاكية اللاتينيةء وحتى القدس نفسهاء فكما ع تماما إعطاء الرّها لبلدوين سنة 8م علامة شؤم لسقوط القدس» هكذا كان ضياعها شما على المملكة اللاتينيةء ولسوء الحظ لم تنته تنته حكاية الرأها واهتمام زنكي ورعايته لها
ک4
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997 . إبرا
والإصلاحات التي أجراها وأدخلها في حياة الرهاويين... ففي أيلول 1146م› اغتیل زنکي بينما کان يحاصر قلعة جعبر»› الأمر الذي أبهج أعداءه الذأين لم يعترفوا مطلقا بتسامحه وکرمه... |
ونعود لنسرد بالتفصيل وقائع تحرير زنكي للرها:
ركان باسيل رئيس الأساقفة اللاتين يقنع أن يكتب إلى زنكي ويطلب منه هدنة أملاً في أن الصليبيين قد يستجيبون لالتماسهم ويرسلون قوة نجدة مسن انطاكية أو القدس ويرجح أن زنكي کان سيمنح هذه الهدنة»› ولکسن الرسالة وقعت في يد (رجل يتعاطى في بيع الأقمشة) فمزقها إلى نتف علانية... وحدث اضطر اب عظيم» ولم تسفر هذه الخطة النافعة عن شيء...)) وفي وصف للمؤلف السرياني الرهاوي المعاصر لزنكي» طبيعة توضع القوات المحماصرة ((حیث نصب زنکي خيمته مقابل باب الساعات على التلة فوق كنئيسة الاعتراف وإلى الشرق منه نصبت خيمة الملك المعظم بن السلطان وإلى الشمال كانت . خيمة الو زير جمال الدين الأصفهانيء وأما صلاح الدين اليغسياني القائد العام لجيش زنكي» فقد نصب خيمته في الغرب مقابل باب النافورة على تلة المقبرة؛ , حيث يوجد ضريح مارأفرام وفوقه في أعلى وادي سليمان كان زين الدين علي كجك صاحب إربل» وشهرزور مقابل حدائق بارصوماء وشرقي الباب أكاسلس كان الزعيم الكبير دبيس بن صدقة أمير حلة بني أسد في العراق؛ هو الذي كان قد التحق بالفرنجة فيما مضى من الزمان» وشمالي موقعه هذا وفي حديقة بان كان أبو علي صاحب زعفران وأرقنين» وفي الشمال الشرقي كان أبناء باقساق وهم حكام سبابرق على شواطئ الفرات» وفي شرقي باب أكاساس عسكر عينن الدولة صاحب شبختان» وجنذوبي هذا عسکرت قبائل عديدة من التركمان وفي البوابة الجنوبية تجاه حران»ء وكان هنالك قبائل من العرب والرحالة ورجال من حلب ويليهم قبائل من الأكراد... وفي الغرب مقابل القلعة عسكر حسان بن بلال
-15-
تحرير الرها وأثرها ى الخروب الصلييية.
اقتراحات للسلم رفضوها لاأنه كان يرغب أن تستسلم له المدينة استسلاما دونما قتل أو تدمير أو تخريب وغير ذلك» فأرسل لهم "أنصتوا أيها الحمقىء» أنكم ترون ألا آمل لكم بإنقاذ أرواحكم» ماذا تنتظرون وتاملون؟ أشفقوا على أنفسكم وأبنائكم وبناتكم وزوجاتكم ومنازلكم ومدينتكم حتى لا يحل بها الخراب» وتصبح خالية من السكان"» ولم يكن هنالك أحد من السكان يملك أي سلطةء فكل واحد كان يفعل ما يريده» وهكذا تركوا للخراب والنهاية المحزنة... وكانت إجابتهم لزنكي بكل الوقاحة والإهانة... ولقد تصرف زنكي بحكمة وتعقل... بعد اقتحام جنوده المدينة والقلعة... وعندما وصل الفلعة ورأى منظر المختنقين من النساء والشباب والأطفال الذين تراكضوا لينجوا من القتل... ومعروف أن الطريقة والعادة السيئة التي اتبعها الفرنجة بالا يفتح الباب إلا بناء على أمر من الأسقف وألا ينفذ الأمر ما لم ير رجال الحامية الأسقف بنفسه... وقد انسحق الحشد سحقا وذلك خوفا من القتل والأسرء فأخذوا يدوسون بعضهم» وأنه لمنظر يستدعي الشفقةء منظر مفزع مخيف» فقد أصبحوا كتلة واحدة مسحوقة مؤلفة من خمسة آلاف شخص اختنقوا بهذا الشكل البائس» واقتيد حوالي عشرة آلاف ولد وبنت إلى الأسر... وتأثر زنكي كثير! وأمر بإيقاف المذبحة» وحيث وصل زنكي إلى بوابة القلعة تكلم مع الحامية برفق وطلب منهم التسليم ووعدهم أن يوفر أرواحهم»؛ فخرج قسم منهم يطلبون الأمان للفرنجة الموجودين في القلعة»› واتخذ الإجراءات الضرورية لحماية سكان المدينة»ء فأمر بوضع الخفراء والحراس على أبواب القلعة لمنع أي شخص غريب من دخول المدينة» ورجع أهالي الرّها الباقون إلى بيوتهم وأعطاهم زنكي ما يحتاجون من الطعام وشجعهم وواساهم» وهكذا استقروا في بيوتهم... وإذا كان الذين اختنقوا أو وقعوا في الأسر أو قتلوا بحد السيف أمام القلعةء فإن الحاكم أطلق سراح عشرة آلاف من الجنود... أما أولئك الذين اختبأوا تحت الأرض أو في الحصنين فقد نجوا أيضاء وعندما سقط الحصن الشمالي بعد أن وعدوا بالحفاظ على أرواحهم أحضر زنكي المطران باسيلوس الذي كان تحت الحفظ يحرسه أحد الجنود
-16-
محلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997
وبدأوا بإحضار الفرنجة الذين كانوا في الحصن مع نسائهم وأطفالهم وكذلك الكهنة والشماسة وأحضروا معهم الكثير من الذهب والأواني الفضية وما شلكل ذلك... وقد التحق بهم كثيرون لأن زنكي أقسم أن يأخذهم عبر نهر الفرات» ويطلق سراحهم ويسمح لهم بالذهاب إلى حيث شاؤواء ودخل القائد صلاح الدين اليغسياني إلى القلعة وأخذ المطران من يده وقال: نريد من غبطتكم أن تقسموا على الصليب والإنجيل أن تكونوا صادقين معناء وتخلصوا لناء لأنكم تعلمون جيدا أنكم تستحقون القتل لأنكم قاومتمونا واحتقرتم نبيناء نحن مستعدون أن نعاملكم معاملة حسنة ونطلق سراحكم مع الأسرى» وأنتم تعلمون أنه منذ الزمن
خلالهاء» وأصبحت مدينة كبرى ولكن اليوم بعد أن حكمها الفرنجة مدة خمسين غاا اوها وکرو ا ا اوا كنا ونوا ماك اا اد ها دد يعاملكم معاملة حسنةء وهكذا عليكم أن تعيشوا بسلام وأن تلجاوا إليه»ء وأن تصلوا لأجله"۶).
وبعد اغتيال زنكي استرد الفرنجة الرّها عن طريق جوسلين الذي راسلى من كان بها من الأرمن»ء ووعدهم يوما بعينه يصل إليهم فيهء فأجابوه فدخل البلدء وامتنعت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين» وبلغ الخبر نور الدين وهو بحلب» فسار إليها بعساكره» فهرب جوسلين» ودخلها نور الدين فقتل من بها _ِ وغنم أموالها وعمل بها خرابا كبير اء ومهما يكن من أمرء فإن مقتل زنكي الذي سبقه تحرير الرّها والذي تلاه انقسام دولته إلى شاقية وجزرية شكل منعطفا خطيرا وحاسما في مسار أحداث الوجود الصلييي في المشرق العربي...
وقد شكلت الرّآها بحكم موقعهاء ونتيجة للأعمال التوسعية التي قام بها أمراؤها الفرنجة خطرا عظيما على ممتلكات الموصل» وممتلكات السلاجقة في آسية الصغرى» ولهذا نلاحظ أن جهود أمراء الموصل ركزت على الرّها...
0s
ريز الرها وأترها کہ الكووت الضلدة
وحاصروها أكثر من مرة واصطدموا بقواتها. فمثلاً قربغا أمير الموصل هو الذي قاد القوات المسلحة للتصدي للحملة الصليبية الأولى متذكرين هنا أن الفرنجة استولوا على الرّها قبل استيلائهم على إنطاكيةء وبعد قربغا نشط مودود أمير الموصل ضد الها وضد الفرنجة بشكل عام في بلاد الشام» وتحالف مع طغتكين أتابك دمشق إلى أن اغتيل في مسجد دمشق الجامع... وبعد مودود حين تقاعس الأمير الأرتقي تمرتاش عن نجدة حلب حين محاصرتها سنة 58ه/1124م» ذهب الحلبيون إلى آق سنقر البرسقي صاحب الموصل» فجلء للتفريج عن المدينة وقام البرسقي بضم حلب إلى ممتلكاتهء وبعهد اغتيال البرسقي بحقبة وجيزةء تسلم زنكي أتابكية الموصل فتمكن سنة 539ه/1144م من تحرير الرّها (كما مر بنا)ء أيضا ملك زنكي حلب وشمال الشام ممع الموصل» وحاول زنكي احتلال جميع أجزاء بلاد الشام فأخفق واغتيل كما ذكرنا سنة 541ه/1146م» أمام أسوار قلعة جعبر... وبعد اغتياله انقسمت المملكة» والمواصلة لم يعودوا يشعرون بخطورة الوجود الصليبي ونور الدين تفرغ لبلاد الشام» فتمكن من توحيد شمال الشام وجنوبه» وجعل دمشق مقراً للجهاد» وقاعدة أساس لانطلاق أعمال التحرير الشاملة والوحدة الكبرى»ء ووضع الخطط للتحرير وخوض معركة فاصلة ضد الصليبيين مدركا أن شروط التحرير هي الوحدة والثقافة والأمن الداخلي والاستقرار مع الاقتصاد القوي والمتين... ولم تعد تشغل أمور الموصل نور الدين إلا هامشياء وللتفرغ بشكل أساسي لتنفيذ ما يمكننا تسميته سياسة شامية... وأخذ يجاهد ضد الفرنجة في الشمال» وتدخل مرارا للدفاع عن دمشق لا سيما بعد حصارها من قبل ما يعرف بالحملة الصليبية الثانيةء وبعد إخفاق هذه الحملة ضعف الحكم البوري بدمشق ضعفا شديداء وكان معين الدين أنر سيد دمشق الفعلي قد مات( وفي هذه الآونة تعاظمت المخاطر الفرنجية نحو مصر... وركز الفرنجة جهودهم
-18-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997
على احتلال مدينة عسقلان»ء ويستدل من كتاب الاعتبار لأسامة بن منقذ أن السلطات الحاكمة في مصر أرادت التعاون مع نور الدين لإنقاذ عسقلان» وأن أسامة الأمير العربي الذائع الصيت التقى نور الدين الذي أذن له إن لم نقل ساعده على تجنيد قوة ذهبت للدفاع عن عسقلانء لكن هذا لم يجد نفعا وسقطت عسقلان» ولم يستطع نور الدين التدخل لأن حكام دمشق حالوا بينه وبين ذلك» فركز جهوده من أجل الاستيلاء على دمشق» ونجح بذلك سنة 9ه/1154م» وبنجاحه هذا توّحد شمال الشام مع جنوبه» وتفرغت دمشق للعمل ضد المملكة اللاتينية في القدس العربية» مما خقف هذه الأعباء بعمض الشيء عن كاهل إمارة إنطاكية الفرنجية....
وتعمقت مع الأيام اهتمامات نور الدين بمصر وجرت مراسلات بينه وبين طلائع بن زريك» لكن عدم استقرار أمور الوزارة في القاهرة لم يقتصر تاثيره على تعطيل مشاريع التعاون مع دمشق فقط, وإنما قاد ذلك إلى تشجيع الفرنجة للاستيلاء على مصر» وجاءت وزارة شاور السعدي» وطرده مسن منصبه والتجاؤه به إلى الشام مدخلا مباشرا لانشغال نور الدين بالسياسة المصريةء فكانت حملات شيركوه الثلاث» وقتل شاور ووزارة شيركوه» شم وزارة صلاح الدين» وبعد ذلك إلغاء الخلافة الفاطميةء ولئن جمد الخلاف غير المعلن بين صلاح الدين ونور الدين استثمار الوحدة الشامية المصرية لتحرير فلسطين»؛ وفي مقدمتها القدس العربيةء فإن موت نور الدين وتسلم صلاح الدين لمیراثه» مگن مجددا من استنمار هذه الوحدة فكان النصر المبين في حطيسن 3ه/1187م» وتحرير القدس والساحل الشامي”ء وهام جدا أنه بفضل إمكانات مصر وبلاد الشام تمكن صلاح الدين من الوقوفي وجه الحملة الصليبية الثالثة وتعطيل مشاريعها... ومنذ ذلك التاريخ وقر في نفوس الساسة الأوروبيين أن الطريق إلى القدس يمر عبر القاهرة والحملات الصليبية بعد
-19-
تحرير الرها وأثرها على مجرى الحروب الصليبية. 1 الرابعة حتى مقتل لويس التاسعء ثم محتويات كتاب الأاسماء الذي وضعه مواطن بندقي اسمه مارینوسانوتو برهنت على صحة هذه الأطروحة... أعود لأجدد أنه لا يمكن في أيامنا هذه للعرب تحقيق تحرير أو وحدة بدون الوحدة بين مصر والشام... وإن في هذا لدلالات عظيمة E
0ت
خية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997 . إبرا
رش
1-انظر اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية لاغتاطيوس
2-الرّها -المدينة المباركة - تأليف: ج سيغال» ترجمة يوسف ابراهيم جبراء» ط. دمشق 1988 ص1 وما بعدها.
3-انظر: مادتي الرّها وحران في معجم البلدان لياقوت.
4-الرّهاء المدينة المباركة» ص 31 وما بعدها.
5-انظر : مادة سميساط في معجم البلدان.
6-انظر : الكامل في التاريخح لابن الأثير» ط. القاهرةء مطبعة الاستقامةء جڄ8» ص9.
7-نفس المصدر»؛ ج8» ص11.
8 “نفس المصدر»ء ج8» ص11.
9-نفس المصدر»ء ج8» ص41 وما بعدها.
0-عالج هذه القضية باستفاضة د. سهيل زكار في كتابه مدخل الى تاريخ الحروب الصلبيية » ط: بيروت 1973» ص139 وما بعدها.
1-نفس المرجع» د. زكار» ص202 وما بعدها.
2-نفس المرجع» د. زكار» ص227 وما بعدها.
3-نفس المرجع»› د. زکار؛ ص230 وما بعدها.
9
تحرير الرها وأثرها ى الحروب الصليبية.
4-لكامل في التاريخح» ج8 ص175 وما بعدها.
5-المؤرخ الرهاوي المجهول في كتاب الحروب الصلببية» د. سهيل زکار» ط. دمشق 1984» ج2»›» ص 455-453.
7-نفس المرجع» د. زکار» ص553 وما بعدها.
8 تاريخ وليم الصوري»› ترجمة عربيةء ط. بيروت 1990 ص737 وما بعدها.
9-المؤرخ الرهاوي المجهول في الحروب الصلييية» ص503 وما
بعدها. ”ورواية ابن القلانسي في الكتاب نفس المرجع› ص623 وما بعدها.
-رواية العظيمي الحلبي» نفس المرجع» ص774. ترجمة زنكي في بغية الطلب في تاريخ حلب» ص725 وما بعدها. -رواية سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان» ص774.
0-انظر : مصادر الحاشية المتقدمة .
1-لكامل في التاريخ لابن الأثير» ج9» ص9-8.
الباهر في الدولة الاتابكية لابن الأثيرء ط. القاهرة 1963 ص66 وما
2لمؤرخ الرهاوي المجهول › ص504 وما بعدها.
-ترجمة زنكي من بغية الطلب في تاريخ حلب» ص730 وما بعدها. المباهر في الدولة الاتابكية » ص66 وما بعدها.
حور
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997 _ د. إبراش
الروضتين» ج1» ص36 وما بعدها.
3-المۇرخ الرهاوي» ص516 وما بعدها.
-ترجمة زنكي» ص733 وما بعدها.
-الباهر» ص73 وما بعدها.
-الروضتی» ج1» ص27 وما بعدها.
5-ابن القلانسي في الحروب الصاببية » ص570 وما بعدها. -الروضتين» ج1» ص120 وما بعدها.
6لاعتبار» ط. برنستون 1930› ص10 وما بعدها.
-ابن القلانسي» ص539 وما بعدها.
7-د. سهیل زکار» حطین» ط. دمشق 1984› ص 69 وما بعدها.
و
a
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997. د. محمد حسن العيدروس
الموقف البريطاني من التوجه المصرم نحو ساحل عمان
1840-9
د. محمد حسن العيدروس جامعة العين - الإمارات العربية )لمقدهة:
نتناول في هذه الدراسة مجيء القوات المصرية إلى الجزيرة العربية للمرة الثانيةء وخاصة إلى الإحساء ومنها بدأت التوجه نحو ساحل عمان» والموقف البريطاني تجاه التوجه المصري» وكيف تغير هذا الموقف من المؤيد في المرحلة الأولى» إلى المعارض في المرحلة الثانية. توجهت بريطانية نحو ساحل عمان لتمنع التحركات المصرية» ومن ثم قامت بتعزيز علاقاتها مع شيوخ القبائل في ساحل عمان. وفي هذه الأثناء وصل القائد المصري سعد المطيري إلى ساحل عمان ويحمل رسائل من خورشيد باشا إلى شيوخ القبائل للوقوف مع مصر والقبول بالسيادة المصرية والانضمام للدولة العربية. فقسد استقبله زعيم القواسم سلطان بن صقر استقبالا حافلا وأنزله في منزله مما أثلر استياء البريطانيين؛ فطلبوا منه إخراجه من بلاده» كما لقي القائد المصري كل ترحاب وتقدير من حاكم أبو ظبي. ولكن الدسائس البريطائية وسياسة الترهيب والترغيب مع شيوخ قبائل ساحل عمان» حالت دون نجاح مهمة القسائد المصري» فقرر العودة إلى الاحساء وهذا ما أغضب خورشيد باشا لرجوعه دون إذن منه أو إكمال مهمته الموكلة إليه» برغم أنه كان بصدد إرسال المزيد من التعزيزات العسكريةء ولهذا أوصى بإحالته إلى التأديب. وقام المسؤولون
27
ساحل عمان 1840-1839.
E عمان لتعزيز علاقاتهم مع شيوخ القبائل» ومنها زيار "ميئلاند" القائد العام للاسطول البريطاني في بحار الشرق» وزيارة
هینیل" هنيل المقيه السياسي البريطاني ذ في الخليج العربيء ونتج عن هذه الزيارة ادرت النطروي ر ا تل غه من شر ع لان بع فة عات
رفع "هينيل" توصياته إلى حكومة 'بومباي"'» يطالب فيها بوضع حسد للتحركات المصريةء والعمل على مناورات بحرية لسفن الأسطول البريطانيء وفرض حصار على الساحل الشرقي من الجزيرة العربية لمنع تحركات الجيش المصري في الإحساء -ومن ثم أخذت حكومة الهند تدرس الموقف في ساحل عمان والتوجه المصري هناك وبدأت تخاطب وزارة الخارجية لكي تطلب من الحكومة المصرية إصدار تعليماتها إلى خورشيد باشا بعدم التوجه نحو ساحل عمان» التي تعتبرها جزء من نفوذها. لقد أثرت هزيمة الجيش المصري أمام قوات التحالف الدولي بقيادة بريطانية في شهر أيلول وتشرين الثاني 1840ء على وجودها في المنطقة مما أدى إلى انسحاب قواتها من الجزيرة العربيةء ولكنذنا سوف نناقش عدة أمور منها: لماذا كان التوجه المصري نحو ساحل عمان ثم تقیيم هذا التوجه وأخيرا نتائج الانسحاب.
مجيء اليش المصري إلي شرق الجزيرة العربية والټتضنوهف البريطاڼي:
جاءت القوات المصرية إلى الاحساء عام 1839ء ولكونها تربط شممال الشرقي بالجنوب الشرقي من الجزيرة العربيةء حيث النفوذ البريطاني بجنوبها في ساحل عمان (دولة الإمارات العربية المتحدة حاليا). فعندما جاء إبراهيم باشا عام 1819ء اعتبر الاحساء من القواعد المهمة التي يمكن الانطلاق منها
-28-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997,. _ د. محمد ن العيد
” لتحقيق أهدافه في شرق الجزيرة العربيةء وإدراكا منه لأهميتها اقتصاديا واستراتيجيا وخط دفاع ضد التقدم الخارجي للوجود المصري في 'نجد". ولذا والبحرين والكويت اهتماما كبيراء لاتفاقها مع السياسة التي رسمها خورشيد باشا للسيطرة على تلك المناطق» وخاصة بعد توقيع صلح 'كوتاهية" بين مصر والدولة العثمانية في نيسان من عام 1833ء مما سمح بانسحاب قسم كبير من القوات المصرية من أسية الصغرى وتوجهها إلى الجزيرة العربية. وهنا نتساعل لماذا كان التوجه المصري إلى شرق الجزيرة العربية ومنها إلسى إمارات ساحل عمان؟ ولماذا اختلف الموقف البريطاني من الوجود المصري في شرق الجزيرة العربية بعدما كانت قد أيدته في المرحلة الأولى؟ لو نظرنا إلى شرق الجزيرة العربية لوجدناها لا تشكل أي إغراء من الناحية الاقتصاديةء بل لرن العكس من ذلك› نحتاج إلى المال والرجال لفرض الحكم والسيادة في أنحاء شاسعة من الصحراء المجدبةء إضافة إلى الخسائر التي تلحق بالرجال نظرا لصعوبة ووعورة المنطقةء وكذلك للمقاومة التي قد يلقونها من رجال القبائل العربيةء والتي لا ترغب في وجود حكومة منظطمة وخصوصا إذا ما صحبتها النظم الضرائبيةء علما بان محمد علي باشا كان قد أعلن لبريطانية بأنه لم يكن مجيئه هذا سوى إخضاع 'النجديين" وحماية الحرمين الشريفين» بالإضافة إلى قطع فيصل بن تركي للزكاة التي كان يدفعها والده للقاهرة. وبرغم كون تلك المناطق ليست ذات أهمية اقتصادية» إلا أن لها مزايا أخرى تتفق مع أهداف محمد علي لتكوين دولة عربية موحدة في المشرق. ومن بعض هذه المزايا أن الوجود بهذه الجهات يسهل وجوده في العراق ويجعله في اتصال مع فارس ومن ثم وسط آسيةء اس استیلاؤه على کلى من ساحل عمان المطلة على مضيق هرمز في الجنوب الشرقي وعدن على مضيق باب المندب في الجنوب الغربي من الجزيرة العربيةء فتزيد من السيطرة
-29-
ساحل عمان 1840-1839.
على الحركة الملاحية في الخليج العربي والبحر الأحمر عن طريق مداخلهاء مما يجعل محمد علي سيدا عليهماء لأنهما يتمتعان بأهمية استراتيجة فائقة منذ أقدم العصورء ولأنهما شريان الحياة التجارية.
قد حاول البرتغاليون السيطرة على المضيقين» فنجحوافي هرمز في حين فشلوا في احتلال "عدن" وبالتالي لم ينجحوا في التحكم بباب المندب. أما البريطانيون فبمجرد انسحاب حملة إبراهيم باشا من الاحساء عام 1818ء قاموا باحتلال ساحل عمان في الحملة المشهورة لعام 1819ء وفي المرحلة الثانيية سبقوا المصريين وقاموا باحتلال عدن عام 1839. فالتوسع المصري تجاه ساحل عمان وعدن كان مهما لمحمد علي لانه يزيد من الثقل والنفوذ السياسي في المجال الدولي» إضافة إلى المزايا الاستراتيجية والأمنية. يرجع اختلاف موقف بريطانية والتي كانت حريصة في المرحلة الأولى من الحكم المصري في الجزيرة العربية عام 1818ء للاستفادة منه لقمع النشاط البحري لأبناء ساحل عمان» والذي شكل تهديدا على وجودها في المنطقة. ولكن إبراهيم باشا رفض التعاون مع الاستعمار البريطاني ضد عرب ساحل عمان وعدن» وذلك بعد أن نجحت في توقيع معاهدات السلام العامة والهدنة البحرية مع شيوخ قبائل ساحل عمان» وآخذت تدعم نفوذها في المنطقة بشكل سريع» وقامت باحتلال عدن وبذلك لن تقبل منافسا أو شريكا جديدا في المنطقة. واستمر المسؤولون البريطانيون في الخليج العربي والعراق؛ على اتصال دائم برؤسائهم في الهندء يطلعونهم أول بأول على تحركات المصريين تجاه البحرين وساحل عمان» بهدف الحصول على التعليمات اللازمة للتصرف مع المصريين) لأن وصولهم إلى تلك المناطق» يمزق الدولة العثمانية ويهدد الوجود البريطاني في ساحل عمان وعدن» خط الدفاع الأول عن الهند. أشارت التقارير البريطانية إلى عزم بريطانية منع تحركات الجيش المصري بتطويقه عن طريق إرسال قوات بريطانية إلى جزيرة 'خرج" في شمال الخليج العربي» لسد الطريق أمام الزحف
~3 0¬
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. ع العيد
المصري تجاه العراق وساحل عمان'ء وإرسال قوات أخرى لاحتلال عدنء لقطع الطريق أمام التحرك المصري في البحر الأحمر. وأشارت التحركات المصرية في شرق الجزيرة العربيةء وزارة الخارجية البريطانية في لندنء علما بأن شؤون الخليج العربي كانت من اختصاص حكومة بومباي" وحكومة الهندء ولم تكن تتدخل حكومة لندن إلا في الأمور الهامة التي تستدعي معالجتها بسرعة» وهذا ما يؤكد لنا أهمية التوجه المصري نحو ساحل عمان والبحرين. رلكونها خطرا على حكومة الهندء قام الكولونيل 'تايلور'» المقيم البريطاني في بغدادء بإرسال خطاب إلى اللورد 'بالمرستون" وزير الخارجية البريطانيةء يوضح العواقب التي سوف تترئب على تقدم القوات المصرية على سواحل شرق الجزيرة العربيةء وهذا ما دفع أيضا 'بالمرستون" أن يلفت نظر حكومهة الهند إلى ضرورة معارضة أي تقدم يقوم به خورشيد باشا إلى ساحل عمان»› ويطالبه بالتدخل المسلح إذا ما اقتضت الضرورة ذلك"'. علما بأنه كان قد تقرر بدافع المصلحة القومية العليا لبريطانيةء أن تسند إلى شركة الهند الشرقية القرار فقد عهد إلى الشركة بالإشراف على الاتصالات مغ فارس والعراق والخليج العربي» والهدف من هذا واضح» هو أن السلطة المسؤولة مباشرة عن رعاية الاتصالات السياسية مع الدول سالفة الذكرء من حقها أن تمارس حقوق الإشراف الكامل على مسؤولياتها هذه» فاذا كانت حكومة الهند تتمتع بهذه المسؤولية فينبغي عليها القيام بذلك» لأنه ليس من حق الحكومة البريطانية أن تجري اتصالات سياسية مباشرة مع تلك الدول إلا بعد موافقة الشركة(”'.
من هذا المنطلق كان على حكومة الهند التي ورثت شركة الهند الشرقيةء أن تتصدى للتحركات المصرية في ساحل عمان» وخاصة بعد اعترافها بان محمد على أصبح القوة الفعالة الأولى في الجزيرة العربية» وأنه أخذ يوجه اهتمامه إلى ساحل عمان وأنه يطمع في السيطرة على هذا الجزء»
ا
ساحل عمان 1840-1839.
واعتقاد حكومة الهند بأن سلطان عمان ينظر إلى المصريين باحترام أكثر مما - ينظر به إلى حكومة الهند» طمعا في التأييد والمساعدة التي قد يحصل عليها. ولم يشأً محمد علي في البداية الاصطدام مع البريطانيين»ء فعندما أصدر ابالمرستون" تعليماته إلى 'كامبل" القنصل البريطاني في مصر؛ بأن يبلغ محمد علي بأن بريطانية والهند لن تنظر بعين الارتياح لتحركات القوات المصرية في اتجاه بغداد وعدن وساحل عمان» وإنهما تودان إنهاء هذه المسائل بمباحثشات مباشرة مع محمد علي» والذي أجاب بأنه لم يفكر مطلقا في إرسال هذه الحملة أو تحقيق هذه المشروعات» وأنه لا يفكر في التوسع خارج البحر الأحمر»ء لا يريد مد أملاكه شرقي صنعاء. فقد نصت مذكرة 'بوغوس يوسف'" إلى الكولونيل "كامبل" بقوله“ على ما يلي: "أنه على الكولونيل كامبل أن ينقل إلى صاحب السعادة اللورد بالمررستون التأكيد الكامل بأن صاحب السمو الوالي يضع في حسبانه مصالح بريطانية العظمى وأنه لن يقوم بإجراءات توسسعية تتعارض مع تلك المصالح بأية صورة من الصور'. وأعلن محمد علي استعداده لتقديم كافة الضمانات لتيسير الاتصال بين مصر والهندء وهو مالم تصدقه بريطانيةء فسارعت إلى توطيد علاقاتها مع شيوخ القبائل في ساحل عمان.
ترك بريطانية لتعزيز علاقاتها حع ساحل حمان:
بعدما تبين لبريطانية جدية المصريين بالتوجه نحو ساحل عمان أشر نجاح حملتهم على معظم أجزاء الجزيرة العربية» وسيطرتهم على الأماكن المقدسةء مما كان له أكبر الأثر لدى شيوخ قبائل ساحل عمان» والذين رحبوا إلى حد كبير بالسيادة المصرية»ء في الوقت الذي أبدت بريطانية معارضة واضحة للتوسع المصري بعد ضمه الاحساء» وكادت أن تمنع تقدم الجيش المصري إلى سواحل شرق الجزيرة العربية بالقوة العسكريةء وذلك بإنزال قوات في بعض المناطق في ساحل عمان. لكن ظروفها لم تكن تسمح بذلك
ا
. 0
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسات-1997. _ د. محمد حسن العيدروس
لوجود مشاكل في أفغانستان وأزمة في إيرانء» وخشية أن تظهر بريطانية بمظهر الضعف» صرح 'بالمرستون" بأن مهمة بريطانية هي وضع الخليج العربي تحت السيطرة البريطانية بعيدا عن نفوذ أية دولة أخرى تستطيع منازعتها'. وتطبيقا لتصريح 'بالمرستون' انتهجت حكومة بريطائية سياسة مرسومة إزاء ساحل عمان لإبعاد المنافسة المصرية وتأمين مواصلاتها مع الهند من أية أخطار قد تهددها في المستقبل» وخاصة أن السياسة البريطانئية أجبرت الفرنسيين على الانسحاب من مصر» عندما رأت في وجودهم خطرا على مصالحها في الهندء ولهذا فإنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التهديدات الخطيرة التي شكلها المصريون ضده'.
من هنا كان تركيز 'بالمرستون" على البحرين» ورأى أنه يجب منسع القوات المصرية من الاستيلاء عليهاء لأهميتها العسكريةء حتى ولو أدى ذلك إلى احتلال فعلي تقوم به حكومة الهند. ولكن عندما وجد استعداد شيوخها للاعتراف بالسيادة المصرية» فإنه رأى عدم القيام بعمل عسكري وطلب مسن هينيل المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربيء وقف الضغط المصري بالوسائل السلمية ومنعه من الامتداد إلى ساحل عمان. ويقرر هينيل في تقرير له إلى حكومة الهند أنه وجد لدى شيوخ المنطقة أكبر تقدير لعظمة القوات المصريةء وكان ترحيب شيوخ البحرين بالمصريين أملا في التخلص من النفوذ البريطاني وأطماع سلطان عمان» وخاصة أن المصريين لم يطلبوا جزية كبيرة كما كان يفعل "النجديون" والعثمانيون"'. اهتمت بريطانية بساحل عمان الحيلولة دون وقرعها تحت السيادة المضبرية بعد ضياع ابجرين» أما ترحرب شيخ أبو ظبي بالمصريين فراجع أيضا للرغبة للتخلص من الاستعمار البريطاني» وخاصة خليفة بن شخبوطء الذي لم يكن على علاقة حسنة معهم› بعدما كان قد أسر بعض القطع الحربية من الأسطول البريطاني وأجبرها على التوجه إلى ميناء أبو ظبي» مما جعل بريطانية تهدد بضرب مدينة أبو ظبي›ء
~33 -
ساحل عمان 1840-1839.
كما فرضت على حاكمها اتفاقيات جائرة» إضافة إلى أنه كان يتطلع إلى ضسم إقليم البريميء الذي كان سكانه من الشوامس والنعيم» الذين يشكلون استفزازاً له» نظرا للدعم الذي كانوا يلقونه من بريطانية ضد شيوخ أبو ظبي. كما أن بريطانية منعت خليفة بن شخبوط من استرجاع دبي» التي انفصلت عن أبو ظبي. اتخذت بريطانية من تحرك القوات المصرية إلى الاحساء في شرق الجزيرة العربية ذريعة مباشرة» لتحول دون وصوله إلى ساحل عمان»ء ولتضفي بريطانية على تصرفاتها نوعا من الشرعية قامت بتطوير علاقاتها مع شيوخ قبائل ساحل عمان» كما أنذر "بالمرستون" محمد علي بوقف تقدمه في شرق الجزيرة العربيةء وطلب في الوقت نفسه من حكومة الهند البريطانية أن تقسف بنفسها على ما وصلت إليه القوات المصرية في المنطقةء مما جعل الحاكم العام في الهند يصدر أوامره إلى موظفيه بمراقبة الأوضاع ودراسة التقارير الواردة من هينيل؛ المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي» وميتلاند قائد اللأسطول للتحري عن مدى توسع وامتداد الجيش المصري وتشجيع شيوخ قبائل ساحل عمان والبحرين على المقاومةء شريطة ألا يقعا في صدام حقيقي مع القوات المصرية. أما وجهة نظر "أدمونز'» كبير سكرتيري حكومة بومباي ممن هذه المسألةء فكانت على النحو التالي": (إن الوقت لن يكون بعيداً عندما يتوجب علينا أن نقرر ما إذا كنا سنقدم لشيوخ القبائل في ساحل عمان الحماية التي ينشدونها أو نتخلى عن مسؤوليتنا تجاه شؤون الخليج العربي ونقصرها على إبقاء طراد أو طرادين لحماية تجارتنا مع المنطقة ونترك الشيوخ والباشوات والفرس والمصريين يتقاتلون فيما بينهم).
-34-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. محمد حسن العيدروس
مبييء سعد المطيريي القائد المسريي إلي ماحل عمان؛
اتجهت السياسة المصرية نحو البحرين في الوقت الذي قررت التوجسه أيضا نحو ساحل عمان» وساد الإحساس بذلك في ساحل عمان بأن القوات المصرية في سبيلها إلى التقدم نحوها عقب استقرارها في الاحساء. وتحقق ذلك عندما التحق سعد بن مطلق المطيري بالقوات المصرية. وقد وجد فيه خورشيد باشا فرصة مناسبة لكي يعهد إليه بقيادة القوات اللازمة لإقرار السيادة المصرية على ساحل عمان» نظرا للعلاقات التي تربط سعد المطيري» بتلك الجهات ومعرفته لها ومن ثم قوضه بالتوجه إلى هناك ليحصل من شيوخها على إعلان الدخول تحت الحكم المصري. علما بأن سعد المطيري كان نائب فيصل بن تركي في واحة البريمي»؛ وهو ابن مطلق المطيري المشهورء وكان قد زحف عام 1838 على رأس قوة مكونة من ثلاثة آلاف مقاتل لمهاجمة قبيلة 'الحجريين" داخل عمان ليثار من مقتل أبيه. وفي بداية عام 1839» غادر البريمي بعد أن وصل نبا استسلام فيصل بن تركي للقوات المصرية في نجدء وبذلك يعتبر نابا لخالد بن سعود حاليا وخليفة فيصل بن تركي. وخلال الفترة التي تغيب فيها سعد المطيري عن منطقة البريمي» قامت قبيلة الشوامس من رعايا سلطئة عمان بطرد أفراد الحامية النجدية من البريمي› واستولوا على القلعة الرئيسية فيها في قصر الخندق» وأعلنوا بعدها بأنهم لسن يتخلوا عنها حتى ولو دفنوا جميعا تحت أنقاضهاء وطلبوا من السيد حمود بن عزان والي صحار قواتا للحمايةء فأوفد أخاه على رأس مئتي مقائل للدفاع عن واحة البريمي.
وصل سعد المطيري إلى الشارقة في آذار 1839ء على رأس قوة يتراوح تعدادها بين المائة والخمسين والمائتين(ء واستقبله شيخ قبيلة القواسم سلطان بن صقر استقبالا حافلاء وقدم له منزلا حصينا وقلعة ليقيم فيها هو والمقاتلون
2
ساحل عمان 1840-1839.
معه بعدما آبلغه أنه لم د يحضر إلى المنطقة كمعتمد لخالد بن سعود فحسب» وإنما E OT E ER RE الرسائل التي تثبت ذلك””. ويدل هذا الاستقبال على احترام شيوخ ساحل عمان للمبعوٹث المصري» وكذلك ترحيبهم بالوجود المصري ذ في الجزيرة العربيةء وذلك برغم تقديمهم للوعود والعهود والاتفاقيات مع بريطانية» ولكن الأخوة العربية فوق المواثيق الرسمية والأجنبيةء وكذلك الدور الذي قام به إبراهيم باشاء عندما أخرج سلطان بن صقر من سجون آل سعود في الدرعية وعاد عن طريق جدة وعدن إلى الحكم في الشارقةء فكيف ينسى ذلك؟ ومن الطبيعهي أن يجد المبعوث المصري كل ترحيب من قبيلة القواسم» لأنهم كانوا أيضا حلفاء لأسرة خالد بن سعودء في حين اتخذ الشوامس الموقف المعمادي من سعد المطيري» برغم أنهم أيضا كانوا حلفاء آل سعود ضد حكام عمان وأبو ظبسي. وقد يرجع ذلك لأسباب شخصية. فسعد كان قد أساء في السابق معاملسة SS E e ن
لكن الغريب في الأمر» تحول خليفة بن شخبوطء حاكم أبو ظبي في هذه المناسبة إلى التحالف مع سعد المطيري» على الرغم من علاقته العدائيية في السابق مع السعوديين» الذين كانوا دائما يهددون حكامها البوفلاح في أبو ظبي› كما كان العداء لأسباب شخصية أيضا مع سعد المطيري نفسه مما كان مع البوشامس» ولكن هذا التحول قد يرجع لأن سعد المطيري جاء هذه المرة قائداً من قبل المصريين وليس من السعوديين؛ الذين انتهى حكمهم بعد مجيء المصريين» وقال أنه عين حاكما مصريا ووكيلا لخورشيد باشاء مما جعسل حاكم أبو ظبي يرحب بالمصريين ويعرض عليهم الدخول في إمارته» إضاففة إلى التخلص من الاستعمار البريطاني والحصول على مساعدة المصريين
6
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997. د. محمد العيد
a البريمي من أعدائه البوشامس» الذين يشنون غارات على رعاياه في
منطقة العين. حاول سعد المطيري من مقر إقامته في الشارقة إقناع الشوامس» رعايا سلطنة عمان بوساطة سلطان بن صقرء تسليم واحة البريمي للسيادة المصريةء ولكن الموقف البريطاني حال دون ذلك» إضافة إلى الأسباب الشخصية التي ذكرناها سابقا.
بعث خورشيد باشا إلى باشمعاون عباس الأول رسالة يقول فيها: بعد أن
تم تعيين مدراء الأقاليم والمناطق» جاءنا مذكرة من حمد بن يحيى» نائب فيصل بن تركي في البريمي» والتي تقع في عمان وهي امتداد لحككم عبد العزيز وسعود وتركي وفيصل» وفي حينه أرسلنا سعد المطيري بدلا من حمدبن یحیی» حیث SS LL bO من قوات الخيالة وبعض المقاتلين» وفي تلك الفترة قام بض أفراد النعيم والبوشامس بمحاربة حمد بن يحيى وإخراجه من قصره في البريمي» وقتلوا بعض رجاله وأخذوا أسلحتهم» وعندما وصل سعد المطيري إلى مدينة الشارقة تقابل مع حمد بن يحيى القادم من البريمي ونزلوا بضيافة سلطان بن صقر حاكم رأس الخيمةء وفي الوقت نفسه جاء حمد بن عزان ابن عم سعيد بن سلطان حاكم عمان إلى قصر البريمي ليحارب النعيم ويأخذ القصر منهم» وعندما أبلغه مجيء سعد المطيري من طرف الحكومة المصرية ليحكم إمارة القواسم في الشارقة» فرجع من حيث أتى ولم يتجاوز البريمي» ومن بعد ذلك بعث سعد المطيري يطلب إمدادات من المقاتلين والخيالة ليسترجع قصر البريمي ويعيد الأمن والاستقرار إلى هناك وبعد فترة بعث برسالة أخرى يقول فيها بأن البريطانيين يقومون بإثارة الاضطرابات والفتن في تلك المناطق””.
37ت
ساحل عمان 1840-1839.
زيا دة ميتلاند القائد العاء للأسطول البريطانيي لساحل عمان:
تلقى "فاريش" نائب الحاكم في 'ترانكو مالي" في الأسبوع الثالث من شهر نيسان 1839 ردا من الحاكم العام في الهند على الاستفسار العاجل الذي بعث به حول السياسة البريطانيةء التي يجب اتباعها مع خورشيد باشا في حالة رفض الأخير التحذيرات التي وجهت إليهء وقال الحاكم العام في رده بأن خورشيد باشا لا يبدو أنه قد تلقى تبليغا من القاهرة حول احتجاج 'بالمرستون"#*ء المرسل بتاريخ 1838/11/29 وتأسيسا على ذلك» فقد كان "أوكلاند" الحاكم العام في الهندء يتصور بأن خورشيد باشا إما أنه سوف يمضي في فتوحاته باستخدام القوةء بحيث تمتد تلك الفتوحات إلى أقصى المناطق في ساحل عملان» كي يواجه الحكومة البريطانية بالأمر الواقع» أو أن يكون قد أوقف زحفه العسكري بناء على توجيهات من محمد علي. لكن يبدو أن مجيء القوات المصرية في شهر آذارء بقيادة سعد المطيري إلى ساحل عمان في الشارقة» لم تكن قد وصلت إلى الحاكم العام في الهند. وأن وصولها أثر تأثيرا كبيرآفي علاقة بريطانية بساحل عمان. إذ لم تقتصر أهداف بريطانية على مراقبة الأوضاع البحرية وإنما امتدت إلى أهداف أبعد من ذلك في فرض الحمايية الاستعماريةء وكما تعبر المصادر البريطانية بصدد ذلك بقولها: أنه بينما كانت بريطانية تعمل على تاكيد الهدنة البحرية بما يكفل فورض السلام البريطاني على المنطقةء ولكن الأحداث أخذت تتصارع وخاصة التحركات المصرية» أو ما عبرت عنه تلك المصادر بالأخطار تعمم المنطقة بسبب التوسع المصري» الذي كان مناقضا للضمانات التي قدمها محمد علي للقنصل البريطاني في القاهرة» بأن توسعاته في الجزيرة العربية لن تصل إلى سواحل شرق الجزيرة العربية» وهذه الضمانات لم يلتزم بها محمد علي وعلى الأقل خورشيد باشاء قائد القوات المصرية الذي وضتّح بعد حملاته التي قام بها
-38-
مجلة دراسات تاریخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997. ع العيد
في سواحل شرق الجزيرة العربية أنه كان يستهدف إخضاع البحرين وساحل عمان وعمان.
وهكذا وقفت بريطانية ضد هذه المحاولات؛ التي قام بها خورشيد باشا لضم تلك المناطق. فبعد مجيء القوات المصرية إلى الاحساءء ييدو أنها كانت مصممة على إخضاع البحرين. فأرسلت سعد المطيري على رأس بعمض القوات ليمهّد لها الطريق في ساحل عمان» وأثارت هذه التحركات تخوف الحكومة البريطانية التي أحست بان تقدم القوات المصرية يهدد نفوذهاء مما الخليج العربي في بوشهر» بأن يبذل كل ما في وسعه لعرقة تقدم القوات المصرية. ولهذا الغرضص نفسه قام السير "فردريك مینلاند"؛ القائد العام للبحرية البريطانية في بحار الشرق بزيارة إلى شيوخ قبائل ساحل عمان» وأخذ تعمهداً منهم بعدم إقامة علاقات ودية مع قائد القوات المصريةء بل طلب منهم مقاومة التوسع المصري(. وقام بتذكيرهم بروابط الصداقة مع بريطانية في حين أكد سلطان بن شخبوط شقيق حاكم أبو ظبي» الذي التقى بميتلاند على مقربة من المنامة في البحرين» حرصه على توثيق الروابط بين وبين بريطانية. استقبل 'ميتلاند" في إمارة 'لنجة" التابعة للقواسم في الجانب الشرقي من مدخل الخليسج العربي استقبالا حاراً من حاکمها سعید بن قضيب القاسمي(22)› وقد ذكر لميتلاند بأنه على الرغم من أنه لم يكن يخشى شيئا من المصريين إلا أن مصلحة وأمن أبناء عمه القواسم على الشاطئ الغربي في مقدمة الأمور التي تهمه. كما وجد ميتلاند سلطان بن صقر شيخ قبيلة القواسم قلقا هو الأاخر من بأن السكان العرب لا يستطيعون وقف خورشيد باشاء وأنهم يتلهفون لوصول السلطات البريطانية القادرة على حمايتهم. غير ان ميتلاند طمأنه بأن احتجاج 'بالمرستون" الأخير على توسع محمد علي سيكون كافيا ليجعل حاکم مصر
230
ساحل عمان 1840-1839.
يعدل عن متابعة أعماله في شرق الجزيرة العربية. وقال ميتلاند بأن قبائل ساحل عمان في وسعها التصدي لخورشيد باشا لو أنها وحدت صفوفهاء وأن تحالف القواسم التي تضم قبائل رأس الخيمة والشارقة وعجمأان وأم القوين»› تستطيع تعبئة أحد عشر ألف مقاتل» وأن خطر الوجود المصري لا يفرق بين الشارقة وأبو ظبي» وقد أيده في ذلك زميله القائد البحري 'بروكس". ولكن سلطان بن صقر رفض تعبئة هذه القوات تحت إشراف بريطانية لما قد يؤدي إليه ذلك من كثرة الحزازات القبلية. وقد رد 'ميتلاند" في التقرير الذي كتبه وبعث به إلى حكومة بومباي» أنه لما يحز في النفس أن أرى زعماء القبائل غير مدركين للخطر الذي يداهمهم» وأنهم رغم المخاطر التي يتعرضون لهاء فإنهم لم يتخذوا أية خطوة لمواجهتها. ولم تؤد الزيارة التي قام بها حاكم ابو ظبي للقائد 'ميتلاند" في صبيحة 30 نيسان إلى تغير رأي هذاء وقد غادر 'ميتلاند" رأس الخيمة في وقت متأخر من صباح نفس اليوم» ثم عبر الخليج العربي بسرعة بعد الظهر عائدا إلى الهند.
يتضح من ذلك مدی تعاطف شيوخ قبائل ساحل عمان مع القوات المصرية»؛ التي لا تشكل خطرا بقدر ما تشكل بريطانية خطراً عليهم» ويريدون الخلاص منها ولكن ليس إلى ذلك سبيلاء إلا بقدوم القوات المصرية بحجم كبير من الاحساء. كما لا ننسى سياسة الترغيب والترهيب التي اتبعتها بريطانية تجاه شيوخ القبائل في ساحل عمان»ء مما كان له دور كبير في وقف النفوذ المصريء برغم تذبذب ولائهم وعدم التزامهم بالمواثيق والعهود مع بريطانية. تخلف الكابتن "أدموئز'٠ المقيم البريطاني المساعد في الخليج العربي» بعد مغادرة 'ميتلاند'٠ للإشراف على الإجراءات الخاصة بعقد معاهدة جديدة. ففي أول أيار استقبل شيوخ قبائل ساحل عمان على ظهر السفينة 'الفنستون" لوضع الصيغة النهائية لمعاهدة بخصوص منع تجارة الرقيق مع بريطانية. وتم التوقيع عليها في 1839/7/3» وانصرف شيوخ قبائل ساحل عمان بعد التوقيع على المعاهدة
-40-
مجلة درأسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. محمد العيد
المذكورة» مما أفسح المجال لشيخ القواسم» سلطان بن صقر أن يجتمع بالققاد المصري سعد المطيري» لوضع تفاصيل خطة جديدة في المنطقة. وعندما وصل ذلك إلى مسامع "الملا حسين" الوكيل البريطاني في الشارقةء قام بإبلاغه إلى "أدمونز" والذي كان لا يزال في المنطقةء فاجتمع فورا بشيخ القواسم طالبا منه إيضاح الموقف/.
لم يذكر سلطان بن صقر ما قاله أدمونز بوجود القائد المصري في الشارقة والاتصالات التي يجريها معه»ء وقال: أنه اضطر لاستضافته خوفا من أن يحتضنه خليفة بن شخبوط حاكم أبو ظبيء وبذلك تقوم علاقات قوية بيسن مصر وأبو ظبي على حساب قوة القواسم» مما يؤثر على نفوذه الشخصي في المنطقة» وخاصة إذا ما لقي حاكم أبو ظبي عونا ومساعدة من خورشيد باشاء حاكم مصر في الجزيرة العربية. لم يقتنع أدمونز بما قاله شيخ القواسم سلطان بن صقر» وطلب إليه التخلص من سعد المطيري وقواته»ء وأن هذا سيؤثر على الأمن في ساحل عمان وعمان وعلى استقرار المنطقة بصورة عامة. ثم قال أدمونز: هناك احتمال بأن يكون هذا القائد يعمل لحساب خورشيد باشا وليس لحساب خالد بن سعودء غير أن سلطان بن صقر رأى أنه من الأنسب الترحيب بالقائد سعد المطيري» بعد أن تبّين له أنه لم يكن مواليا لخالد بن سعود فحسب بل إنه عين حاكما مصريا على ساحل عمان ویلتزم بما يراه خورشيد باشا مناسبا تجاه المنطقة. وقد دلل على صدق كلامه بما أظهره من رسائل وصلته من خورشيد باشاء علما بأن الأخير كان دائما يذكر بصراحة أن حكم محمد علي يمتد ويشمل كامل الجزيرة العربية ووريث الحكام السابقين كنجديين» ولهذا يعتبر سعد المطيري كنائب من والي مصر محمد علي باشا بعد سيطرة القوات المصرية على نجد والاحساء لم تستطع بريطانية أو الدولة العتماننة متها
ا
ساحل عمان 1840-1839.
زيارة هينيل المقيء السياسي البريطاني لماحل حهان:
إن سرعة امتداد الحكم المصري على سواحل الجزيرة العربية» ومجيء القائد المصري سعد المطيري إلى ساحل عمان» كان هاجس والشغل الشاغل لهينيل المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي طوال هذا الوقت» وحتى قبل أن يكتشف أدمونز ما سمعه في رأس الخيمة من الإشاعات التي تملا المنطقة»ء بأن عملاء مصر منتشرون في جميع أنحاء الخليج العربي»ء مما جعل هينيل يوفد الدكتور ماكنزي» طبيب المقيمة البريطانية في الخليج العربي» على ظهر أحد المراكب للتأكد من صحة الشائعات.
ساد الذعر السلطات البريطانية في الخليج العربي لسماعها تلك الأخبلرء بعد أن لمست جدية التفاف بعض شيوخ القبائل في ساحل عمان حول سعد المطيري» بصفته ممثلا لمحمد علي وحاكما مصريا. وعندئذ خرجت بريطانية عن سياستها التقليديةء واتجهت إلى إثارة شيوخ القبائل ضد القائد المصري في ساحل عمان» مستخدمة أساليبها المعروفة بالترغيب تارة والتهديد تارة أخرى. وأرسلت حكومة بومباي أحد ضباطها لزيارة البريمي» ليعمل على إثارة قبائل البوشامس العمانية ضد التحركات المصرية»ء وتوسطت في إنهاء النزاع الذي کان قائما بین سعید بن سلطان حاکم عمان وابن عمه حمود بن عزان الذي استقل بصحار» حيث أبرم تحالف بين الطرفين بوساطة الحكومة البريطائيةء لمقاومة الوجود المصري(. علم "هينيل" في أواخر شهر حزيران من ملا حسين الوكيل البريطاني في الشارقةء بان سعد المطيري وقواته لا يزالون فسي المنطقة» وأن سلطان بن صقر قد رحب بالقائد المصري» المبعوث من خورشيد باشا وقدم له جميع التسهيلات» بدلا من أن يعترض على وجوده هناك. فلن يمضي وقت طويل حتى يكون جميع شيوخها قد دخلوا في السيادة المصريةء بنفس الطريقة التي دخلت البحرين. يبدو أن تحركات خورشيد باشا وقائده سعد
و
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. : ي العيد
المطيري في ساحل عمان أثارت تخوف بريطانية وقلقهاء مما دفع هينيل إلى سرعة التحرك خشية خضوع بقية شيوخ القبائل للقائد المصري» خاصة بعد أن وصلته أخبار ومعلومات مفادها أن خليفة بن شخبوطء حاكم أبو ظبي» يقوم بمراسلة سعد المطيري في محاولة إلى استمالته(“.
لهذا انتهز هينيل فرصة وجود السفينة الحربية البريطانية '"جولنس" التي كانت على مقربة من جزيرة "خرج" في طريقها إلى البصرةء حاملة البريد الصحراوي» حتى أمر بنقله إلى السفينة الشراعية التابعة للمقيميةء لكي يتسنى له الإبحار بسرعة نحو ساحل عمان. بمجرد وصول هينيل إلى أبو ظبي. طلسب الاجتماع مع خليفة بن شخبوط وساله عن موضوع المراسلات التي كانت تدور ) بينه وبين القائد العام المصري» فأنكر حاكم أبو ظبي أن يكون قد قام بأي عملى لتشجيع المبعوث المصريء وأبدى استعداده لأن يكتب تعهدا خطيا بمقارمة إية قوة مصرية تحاول أن تمر من أبو ظبي» كما تعهد بمقاومة أية حركة يقوم ا ررش قاف ال رن قل امو اران الان ال ات البريطانية. فقيل هينيل تعهد خليفة بن شخبوط رغم اقتناعه بعدم أهمية مثل هذا التعهد)ء لأنه أصبح لا يثق في تعهد شيوخ قبائل المنطقةء كما حدث لشيخ القواسم الذي تعهد بذلك وفي الوقت نفسه استقبل القائد المصري وقدم له منزلا وحصنا لقواته» ولأن زعماء القبائل العربية ليست لهم انتماءات تابتعة وإنما مصالحهم العليا فوق كل شيء.
أدرك هيئيل قبل مغادرته أبو ظبي» مدى علم حاكمها باستنكار السلطات البريطانية للخطوات التي اتخذها خورشيد باشا وقائده سعد المطيري في ساحل عمان» ويقينه بأن تلك الزيارة سوف تحول دون قيام خليفة بن شخبوط بتاييد أو مساندة القائد المصري. انتقل هينيل إلى دبي واجتمع بحاكمها مكتوم بن بطي الذي أكد له أنه لن يتعاون مع سعد المطيري وأنه رفض حتى مجرد زيارته في الشارقةء وأخبر هينيل بان الجميع على طول ساحل عمان يعلمون بأن حاكم أبو
=
ساحل عمان 1840-1839.
ظبي هو الوحيد الذي يرغب في التعاون مع القائد المصري وعلى اتصال وثيق معه» ولذا فإن أهم ما ينبغي أن يوصى به هو قيام المقيم السياسي البريطائي بالضغط على حاكم الشارقة لإخراجه من تلك الجهات» لأن وجوده فيها لا يسفر عن شيء اللهم سوى إلحاق الأذى بقبائل ساحل عمان. ثم لم يلبث أن سلم تعهدا مكتوبا ممالا لتعهد حاكم أبو ظبي عندما طلب منه المقيم السياسي البريطاني ذلكا"“. ثم توجه هينيل إلى إمارة أم القوين» وأخبره حاكمها عبد الله بن راشد بنفس الخبرء وهو أن خليفة بن شخبوط يقوم بإجراء اتصالات مع سعد المطيري» ثم عبر عن انزعاجه من وجود القائد المصري في الشارقة» وحث المقيم السياسي البريطاني على مزاولة الضغط على سلطان بن صقر لإخراجه من أراضيه بأسرع وقت ممكن. وقبل أن يغادر هينيل إلى رأس الخيمة» حصل من حاكمها على تعهد ممائثل لتلك التعهدات التي سبق وأن حصل عليهامن حكام ساحل عمان يحمل المعنى نفسه.
بينما كان هينيل يقوم بهذه الاتصالات» وصلته معلومات مفادها أن وة مصرية جديدة قد وصلت إلى المنطقة لتعزيز حاميات ها في ساحل عمان ولاسترجاع واحة البريمي» فأسرع هينيل إلى سلطان بن صقر لأنه كان مهتما بموقفه» فاجتمع به للحصول على توضيح منه لسلوكه غير المتوقع مؤخرا الذي ينصّل به من ارتباطاته مع الحكومة البريطانية وصلاته الودية معهاء بارتمائه في أحضان دولة يدرك تماما أن إقامتها في هذه الجهة من شبه الجزيرة العربية ليس لكونه غير مرغوب فيه من جانب بريطانية فحسب» بل ولكنه مؤثرا على استقلاله كذلك» مما يتعارض مع اللهجة والمشاعر التي سبق له أن عبر عنها الفريدريك ميتلاند" قائد الأسطول البريطاني خلال زيارته الأخيرة لرأس الخيمة. حاول سلطان بن صقر أن يرد على تلك الاتهامات بتوضيح موقفه وسلوكه» وأنه مدرك أكثر من غيره الأضرار التي قد تنجم من وجوده في منطقته» وأقسم بأنه لم يقدم أي شيء إلى القائد المصري إلا عندمها
ك
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997. _ د. محمد العيد
أجبر على ذلك وتحت تهديد سعد المطيري. نلاحظ تقلب مواقف حكام المنطقة حسب الظروف المحيطة» إذ كانوا يخشون من القوي الذي قد ينتصر على الآخر وبالتالي يفرض الأمر الواقع» أي إذا ما فرض المصريون حكمهم وسيادتهم بالقوة على ساحل عمان» أو مارسوا الضغطء كما فعلوا على حاكم البحرين» فإنهم سوف يستجيبون للمصريين؛ أما إذا قام البريطانيون بالإنزال العسكري أو استعراض القوة» بمناورات بحرية أو مارسوا ضغخطا سياسيا وعسكرياء فإنهم لا بد وأن يقفوا معهم» ومن هذا يتضح أن مواقفهم غير ثابتة› ولا يودون إعطاء التزامات محددة ويلتزمون بهاء وهذا راجع إلى ظروفهم وإمكانياتهم التي لا يحسدون عليها نظراً لضعفهم الشديد ولصغر حجم إمارتهم وقلة السكان.
تحدث سلطان صقر لهينيل قائلا: بان أي اتفاق مصري مع أبو ظبي سوف يخل بميزان القوى» وأكد له أن خليفة بن شخبوط يراسل القائد المصوري وأنه لا يزال على علاقة وثيقة معه. وقد اعتمد في كلامه هذا على رسالة كانت مرسلة منه إلى القائد المصريء» فاعترض طريق حاملها واستولى عليهاء ولكسي يثبت حاكم الشارقة صحة آقواله» قام بإبراز الرسالة التي بعث بها خليفة بن شخبوط إلى سعد المطيري» يعرض فيها وضع كافة إمكانات أبو ظبي تحت تصرفه“. أدهش هذا العرض هينيل» ولكنه كان يعتقد بان سبب ذلك يكمن في طموح خليفة بن شخبوط للسيطرة على حصون البريمي من قبيلة الشوامس والنعيم بمساعدة القائد المصري. وبعد أن قرأ تلك الرسالة كتب إلى حكومة الهند بذلك الانطباع قائلا: ربما يريد خليفة بن شخبوط مساعدة المصريين في إخراج الشوامس من البريمي والمناطق التي استولوا عليها في مدينة العيسن. واستلم هينيل في الوقت نفسه من الشوامس الذين استولوا على القلاع التي كانت ثكنات للحامية "النجدية' التي تركها سعد المطيري قبل مغادرته البريمي التسون نجد في بداية عام 9ء تحت قيادة حمد بن يحيى ويطلب البوشاس من
قا |
-45-
ساحل عمان 1840-1839,
هينيل حمايتهم من حاكم أبو ظبي وكذلك من المصريين» فوعدهم هينيل
خیر ۲ .
لم يبق حل أمام هينيل سوى إخراج القائد المصري من الإمارات نهائيا. فأخذ يخطط لذلك بالتعاون مع من يبدي مساعدته. فقد أوضح لحاكم الشارقة بأن تصرف القائد المصري كان مخالفا تماما للتأكيدات التي أعطاها محمد علي للحكومة البريطانية وللتصريحات التي أدلى بها خورشيد باشا للسلطات البريطانيةء كما أنه لا يتفق مع روابط السلم والصداقة القائمة بين شيوخ قبائل ساحل عمان وبين الحكومة البريطانيةء وعندما سأل سلطان بن صقر عن موقف بريطانية منه في حالة تعرضه لهجمات المصريين» أبلغه أنه إذا كان امتثاله لرغبات الحكومة البريطانية سيدخله في عداء مع أي قوة أخرى» فإنه ملتزم أمامه بتزويده بذخيرة القتال الضرورية والملائمة“. نلاحظ هنا بان هينيل لم يقدم له الحماية أو يلتزم بإرسال قوات بريطانية للدفاع عنه وإنما بإعطاء أسلحة فقطء أي أن الموقف البريطاني يتبلور في عدم الاصطدام العسكري مع الجيش المصري. وأمام هذا الموقف وما طلبه سلطان بن صقر توضيح موقف بريطانية؛ فقد كتب المقيم السياسي البريطاني إلى حكومة الهندء معلقا على مطالب سلطان بن صقر بقوله أنه يريد أن يؤكد لشيخ القواسم» بلن الحكومة البريطانية تمتنع عن التدخل في الشؤون الداخلية كما كانت تفعل ذلك في الماضي» ولكن الظروف تبدو مختلفة الآن اختلافا كبيرا عما كانت قبل ظهور القوات المصرية في ساحل عمانء ولعل ذلك ما دفعه فيما بعد إلى تقديم ضمانات شفوية وليست كتابية لحماية سلطان بن صقر»ء مما جعل الأخير يلتزم بالتعهد نفسه الذي أشرنا إليه سابقا.
يتضح من ذلك بأن بريطانية لا تريد قيام دولة عربية موحدة في المشرق العربي من الخليج العربي إلى النيل تحت زعامة مصر› وإنما هجمات وغزوات من القوى المجاورة فعلى سبيل المثال:
ى
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. ّ العيد
قبل تعيين سعد المطيري لدى المصريين» فإنه كان يعمل لسدى السعوديين» وقام بأعمال توسعية وهجمات كثيرة وهذد شيوخ قبائل ساحل عمان» فلم تفعل بريطائية شيئاء ووقفت مكتوفة الأيدي» وقالت أنها سوف تدافع عن الهجمات من البحر. وأيضا عندما اخحتلت إيران جزر تابعة لساحل عمان» لم تفعل شيئا. وبعد خروج المصريين من الجزيرة العربيةء جاء سعد المطيري نفسه قائدا من قبل السعوديين واستولى على البريمي» وانتقم منهاء فما كان من سكانها البوشامس إلا أن طلبوا مساعدة بريطانية وأن تفي بريطانية بوعودها للحماية من الغزو الخارجي» فقالت أن المصريين كانوا يشكلون خطرآ في حين أن السعوديين لا يشكلون خطرا. ولكن في الخمسينات» عندما بدأ النفط يظهر في المنطقةء فإن بريطانية منعت السعودية بالقوة وأخرجتهم من البريمي وفرضت الخط الأخضر الحالي للحدود بين أبو ظبي والسعودية. أي أن مصلحة بريطانية كانت دائما هي الأهم وما عدا ذلك لا یهم.
عندما سأل حاكم الشارقة هينيلء فيما إذا کن ا بأنه ليس له اعتراض على ذلك» شريطة E المطيري من منطقته وتعهده بعدم الدخول في مراسلات أو تعهدات مع محمد علي أو أية قوة أجنبية أخرى» دون علم وموافقة الحكومة البريطانيةء فوافق سلطان بن صقر على ذلك» ووضع خاتمه على إعلان خاص بهذا الشأن في الوقت الذي سلمه فيه هينيل تعهدا بتزويده بذخيرة القتال. ولم يكتف بذلك» بل بعث في الوقت نفسه برسالة إلى سعد المطيري» يذكر فيها حقه في اغتصاب حكم ساحل عملن المرتبطة بمعاهدات مع بريطانيةء وأن عليه أن يغادر الشارقة فور وعليه ألا يذهب إلى البريمي ولا يتدخل بشؤون الشوامس هناك“ . ثم حصل هينيل ممن سلطان بن صقر على تعهد خطي مماثل لذلك الذي حصل عليه من بقية شيوخ القبائل في ساحل عمان. وجه هينيل رسالة أخرى تحمل نفس العبارات إلى خورشيد باشا في اليوم التاليء عبر فيها عن دهشته لتعيينه سعد المطيري حاكماً
7
ساحل عمان 1840-1839.
وقائدا في ساحل عمان باسم محمد علي» وخاصة وأن الأخير سبق وأن قدم تأكيدات واضحة وقاطعة بأنه لا ينوي مد نفوذه إلى ساحل عمان» واختتم رسالته بضرورة سحب مبعوثه المطيري بأسرع ما يمكن من ساحل عمان(“. سلم هينيل أمرا كتابيا إلى سلطان بن صقر لإخراج سعد المطيري من الشارقةء يخبره فيها بأن محمد علي باشا قد أوضح لبريطانية بأن ليس له قصد في الاستيلاء على أطراف سواحل الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية» كما أن وكيل خورشيد باشا أيضا صرح بأنه ليس له نية الاستيلاء أو التدخل في أمور شيوخ قبائل ساحل عمان(“.
كما قال أن مجيء سعد بن مطلق إلى ساحل عمان ليس بأوامر محمد علي» وأن دخوله إلى ساحل عمان يعتبر تعديا على روابط الحماية البريطانيية مع شيوخ قبائل ساحل عمان والمعاهدات والمواثيق منذ مدة طويلة» ولهذا فإن بريطانية ترى أن يغادر سعد المطيري أراضيكم فور ودون تأخيرء وتستعجل في ترحيله وتجهز له السفن بأسرع ما يمكن» مع من معه من القوات والمقائلين إلى القطيف بالاحساء»ء وإذا ما أراد أن ينزل في أي مكان أو موانئ تابعمة لشيوخ قبائل ساحل عمان فإننا أنذرنا جميع الشيوخ الداخلين تحت حمايتنا بعدم استقباله وإلا فإنه يعرض نفسه للعقاب ممن بريطانية. وأمام الموققف البريطاني المتصلب والضغط على سلطان بن صقر فإن الأخير لم يجد سوى الامتثال لأوامر المقيم السياسي البريطاني والطلب من القائد المصري مغادرة إمارته وتقدير ظروفه وكتب يقول له» بأن رسالة قد وصلت من المقيم البريطاني عن طريق وكيله في الشارقة" وفيه أصدر أوامره وحكمه على مشايخ ساحل عمان بإبعاد النفوذ المصري عن ساحل عمان» تحقيقا لأهداف بريطانية البعيدة المدى في السيطرة على الخليج العربي ومنع أي قوى أجنبيسة أو محلية للتأثير على تلك الأهداف. وقد أخبرت صالح وصقر (وهم أبناء سلطان بن صقر) والأخ حسن بن رحمة أن يحضروا إليك ويخبرونك بالحقيقة
-48-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان- ,1997 د. محمد العيد
كاملة» وإن كنت تريد شيئًا منا فنحن مستعدون وأنت تعلم معاملتنا وعلاقتنا السابقة والجية مغك قى الماصني» و إن كنت تذكر الخير والمعروفت فى الق وتجربتنا معك» فاليوم اعذرنا فيما نحن فيه (من ضغط) تحت حكم البريطانيين ورجاء أن ترحل على السفينة وجميع الكلام والأخبار سوف يقولون لك الأو لاد (52),
يتضح من هذا بأن شيخ القواسم لا يريد منهم الانسحاب ولكنه مضطرا ومرغما من قبل البريطانيين» ويطلب من القائد المصري تقدير ظروفه ويترجاه العودة إلى الاحساءء كما يحمل أولاده رسائل شفوية لا نعلم ما هي مضمونهاء ولكنها في الواقع كان لها صدى كبير في نفسية القائد المصري» نظرا لشخصيته القويةء لا يمكن أن يغادر إلا إذا كان هناك أسباب مقنعة وهو معروف بشجاعته وسمعته في المنطقة. جاء شيوخ قبائل ساحل عمان إلى هينيل وأعلنوا عن استعدادهم للوقوف بجانب القوات البريطانية إذا ما عزمت على مقاومة أي تدخل من جانب القوات المصرية في ساحل عمان» ووافق هينيل على التعهد بحماية شيوخ قبائل ساحل عمان» كما تعهد بتزويد سلطان بن صقر بالاأسلحة إذا اضطر إلى الدخول في حرب مع المصريين. وكذلك لبقية الحكام بالأسلحة والأرزء إذا تعهدوا له خطيا بألا يدخلوا في أية مفاوضات أو اتفاقيات مع أية قوة أجنبيةء إلا بموافقة الحكومة البريطائنية واعتبار أعداء وأصدقاء بريطانية أعداء وأصدقاء لهم كما فعل شيخ القواسم. عقد هينيل في ختام جولته اجتماعا مع مبعوث قبيلة الشوامس والنعيم الذي وصل خصيصا للاجتماع به» ثم أمر هينيل له بمؤونة من الأرز والبارود كما أبلغه بأن الحكومة البريطانية بصدد تعيين وكيل لها في البريمي» ثم أبدى الشوامس استعدادا كاملا للتعاون مع بريطانية.
وعلى الرغم من تلك الإجراءات التي قام بها هينيل لوقف نشاط الاد المصري في ساحل عمان» إلا أنه لم يكن متفائلا بالنتائج. فقد جاء الك في
-49-
ساحل عمان 1840-1839.
الرسالة التي بعث بها إلى حكومة بومباي: أن النصر الذي أحرزه إبراهيسم باشا على جيش السلطان العثماني في سورية قد وصلت أخباره إلى المنطقة وأن وصول تعزيزات من خورشيد باشا إلى سعد المطيري في الشارقة ومساعدات وقوات أكبر» كل هذه الأشياء يمكن أن تكون شيئًا مدمرا لهذا النفوذ الضعيف غير واضح المعالم والذي أمارسه مع شيوخ قبائل ساحل عمان.
قائ زيارة هينيل لشيوج قبائل ساحل حمان:
أدت زيارة هينيل لشيوخ ساحل عمان إلى عدة نتائج من أهمها ما يلي:
أولاً: تعهد شيوخ الف ل 4
حققت هذه الزيارة النتائج التي كانت تصبو إليها بريطانية على الصعيد ببريطانية ونجح المقيم السياسي البريطاني في الحصول على تعهد خطي من العمل على مقاومة الجيش المصري» في حين أبدت بريطانية عدم رغبتها بالتدخل العسكري إلا عند الضرورة القصوى» وقدمت لهم الأسلحة والمؤن مقاتل. وهذا يعني توجيه عرب الإمارات ضد عرب مصر دون اشتراك بريطانيةء وإنما تقديم الأسلحة والمؤن والمشورة وبعض الخبراء العسكريين› كما حدث عندما أرسلت خبيرا عسكريا لإقامة وإصلاح التحصينات العسكرية إلى البريمي فيما بعد» خوفا من عودة المصريين إليها.
ثانيا: مغادرة القائد المصري الشارقة:
أدى الضغط الذي مارسه هينيل على حاكم الشارقة إلى طلب الأخير من القائد المصري مغادرة ساحل عمانء وتجهيز سفينة لنقله إلى الاحساءء بعد
-50-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997. د. محمد العيد
تردد طويل» وطلب من سعد المطيري تقدير موقفه الصعمب من الضغوط البريطانية وعدم قطع العلاقة معه. كما أرسل أبناءه وأقرباءه ليشرحوا لسعد المطيري ما كان سلطان بن صقر يريد أن يقوله. وجرت العادة أن بعمسض الأمور الهامة والخاصة والتي قد يخشى انتشارهاء لا يكتبها في الرسائل وإنما يتم تبليغها بطريقة ودية وشفويةء من خلال أشخاص ثقاة أبناء شيخ القواسم. ولهذا لا نعرف ماذا دار في المحادثات بينهما مما أدى إلى انسحاب سعد المطيري مع المقاتلين المصريين بهذه السهولة.
تجدر الإشارة إلى أن القائد المصري سعد المطيري كان يحمل معه رسائل من خورشید باشاء يطلب فيها من شيوخ قبائل ساحل عمان تقديم المساعدة له» ومحذرا إياهم من عدم الانصياع له. وقد أحدث هذا التحرك أثرا كبيرا لدى حكام المنطقة؛ إلى درجة أفزعت هينيل المقيم السياسي البريطاني. لم يلبث الجهد الذي بذله هينيل لتجميع القبائل في البريمي أن صاحبه جهد دبلوماسي آخر؛ إذ عمد البريطانيون إلى الاتصال بخورشيد باشافي نجد وتحذيره من محاولة مد نفوذه إلى الإمارات المرتبطة بمعاهدات مع بريطائيية مما يزيد من توتر العلاقات بين البلدين. بعث هينيل تحذيرا إلى سعد المطيري يبلغه فيه بأن النصيحة التي يوجهها إليه هي أن يعود إلى نجدء ولكن تلك التحذيرات والتهديدات البريطائية لم تمنع المصريين من مواصلة تحركاته فاتصل سعد المطيري بخورشید باشا يطلب منه تقديم مساعدات وإمدادات» فاستجاب له خورشيد باشاء عندما بعث إلى وكيله في الاحساء يأمره بتجهيز حملة لمساندته. غير أنه لم یلبٹث أن فوجئ بعودته. برار سعد المطيري عودته وفشله في المهمة إلى دسائس البريطانيين وتحريضهم شيوخ القبائل في ساحل عمان» وإلى عدم وجود قوات كافية. فقد جاء في رسالة بعث فيها إلى خورشيد باشا بعد وصوله إلى الاحساء قادما من الشارقة عن طريق البحر» يخبره بأنه يحمل رسائل من البريطانيين» ويقول أنه بذل أقصى جهوده في ساحل عمان»
-51-
ساحل عمان 1840-1839.
وهو مدة بقائه هناك سبعة أشهرء ويبرر عدم نجاح مهمته بحالة الضعف الذي کان عليه. يقول بان شيوخ قبائل ساحل عمان لا يستطيعون عمل أي شيء بعد دخولهم في الحماية البريطانيةء فإذا أردت أن تدخل في حرب فلا بد أن تجهز قوة عسكرية وحشد القبائل العربية وأن أكون في مقدمة هذا العمل(7.
أغضبت خورشيد باشا هذه العودة برغم علمه بالضغوط البريطائية وتصرفاتها وتخويفها شيوخ القبائل في ساحل عمان ضد المصريين» لكنه اعتبر ذلك تقصيرا من سعد المطيري» وأنه كان في صدد إرسال مزيد من التعزيزات» ولكن عودته دون إذن منه أفشل خططه نحو ساحل عمان» ومن شم راح يطلب إرساله إلى نجد لكي ينال عقابه على عدم التزامه بمهمته ورجوعه دون تنفيذ أوامر قيادته العليا. وفيما يلي رسالته إلى باشمعاون عباس الأول يقول فيها: وردت رسالة من أحد معاونينا ويدعى محمد أفندي يقول فيا بأن القنصل البريطاني ترجه في المركب البخاري إلى مسقطء في حين وصل سعد المطيري إلى الاحساء قادما من الشارقة ومعه بعض المقاتلين» وبعث برسالهة مع أربع رسائل منها اثنتان من القنصل البريطاني واثنتان مهن سلطان بن صقر (58),
ويوصي خورشيد باشا في رسالته بإعدام أو تاديب سعد المطيري لسببين: أولهما أنه قد سمع كلام القنصل البريطاني» والثاني لعدم إكماله المهمة الموكلة له» وهو إرجاع الحكم في البريمي وإخضاعه للسيادة المصرية» علمما بأن الإمدادات قد أرسلت له لتنفيذ هذه المهمة» وهي عبارة عن خميسن خيال وأربعمائة هجان وهم جميعا من المقاتلين الأشداء. ثم قال بأانه ليس للبريطانيين أية حقوق في البلاد العربية وأن يكفوا تدخلهم هناك. في حين كتب هينيل أيضا رسالة إلى خورشيد باشا يطلب فيها بعدم السماح بعودة سعد المطيري» مما سوف يؤثر في علاقة الصداقة بين بريطانية ومصر فيما يلي هذه الرسالة التي يقول فيها: أنه رفع تقريريه عن تحركات سعد المطيري الى
-52-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. : العيد
حكومته البريطانيةء وقال لا بد لمحمد علي أن يطلع على تلك التصرفات» كما طلب من خورشيد باشا عدم التدخل في شؤون ساحل عمان والبحرين وعمان» وأن يتم المخاطبة بين الحكومة البريطانية والمصرية مباشرة»ء وأن تصل التعليمات من الحكومة المصرية وليس من خورشيد باشا وأن يتم التباحث بيسن الجانبين: خورشيد باشا والمقيم السياسي البريطاني حول شؤون المنطقة والتفاهم الودي والسلمي بينهما. وإذا ما رجع سعد المطيري إلى ساحل عمان على رأس قوات عسكرية أو إلى البريمي» سواء ممن البر أو البحر» فيعتبر هذا تصرفا غير لائق ودليل على عدم استمرار الصداقة بين الدولتيسن› مما يعرض العلاقات إلى الخطر"؟. أما عدم قبول هديتكم المرسلة وهو حصان» فليس راجعا إلى الإقلال أو الإساءة أو الاحتقار لمقامكم» وذلك لان سعد بن مطلق المطيري آخذ الزكاة من سكان جزيرة قيس (وهي جزيرة إيرانية) واعتبره المقيم سلب ونهبا لأنه لا يعرف ما هي الزكاة.
ثالثا: هجوم حاكم أبو ظبي على البريمي:
لما علم خليفة بن شخبوط بأن هينيل غير موجود في المنطقةء وأنه رحل إلى مسقطء فإنه قام بخرق روح الاتفاق والتعهد اللذين لم يكن قد جف مدادهما بمعارضة القائد المصري سعد المطيري*ء وتوجيه جميع الطاقات وحشد القوات لمقاومة المصريين. وقد قام حاكم أبو ظبي بنفسه على رأس الحملة التي اعتدت على الشوامس في البريمي» والدين كانوا قد عارضوا الوجود المصوري وجرى اشتباك عنيف بين الطرفين. وعندما علم هينيل في مسقط بالحرب التي يشنها حاكم أبو ظبي ضد الشوامس» وجه إليه اللوم لنقضه العهد الذي كان قد قطعه للشوامس والنعيم أثناء إقناعهم ببذل الجهود لمقاومة المصريين وقائدهم سعد المطيري» وأرسل إنذار! إلى خليفة بن شخبوط يطلب منه الكف عن القتال ودفع تعويضات للشوامس بحوالي 1.000 جنيه في مدة أقصاها ثلاثة أشههر؛ وإلا فستعتبره الحكومة البريطانية عدوا لهاء كما أنه سيدمر السفن الراسية في
-53-
ساحل عمان 1840-1839.
موانئ أبو ظبي. فأوقف حاكم أبو ظبي الحرب» وأرسل إلى هينيل الرسالة التالية يبين فيها أسباب القتال فقال : لا بد أن أبلغك بصدد سير الأمور مع الشوامس الذين كنت قد اتفقت معهم على مقاومة سعد المطيري ومنعه من الوصول إلى موطىئ قدم في عمان» ولقد كانوا متفقين في هذا الصددء ولكن ما كاد سعد يغادر البلاد حتى بادروا إلى إظهار عدائهم لي بنهب جماعتي وقتل ثلاثة منهم وسرقة خمسين بعيرا لهم» وقد نسوا جميع المنافع التي حصلوا عليها مني كهدايا: البارود الذي قدمته إليهم والرصاص» ومساعدتي لهم في حربهيء وبعد أن سرقوا كل هذا راحوا يغيرون عل جماعتي من قبيلة الظواهر مخربين بساتين التمر وقاطعين الماء عنها. وأنست تعرف بالطبع أن بلاد الظواهر ملك لأبي شخبوط وإننا نشترك في بساتين النخيل. وعندما علم خورشيد باشا بحرب الشوامس ضد أبو ظبي قام بإرسال قوة من جيشه درت تجمعا لعشائر النعيم في قطر» مما يدل على تعاطف المصريين مع أبو ظبي.
تشير المصادر البريطانية إلى مدى اهتمام المسؤولين البريطانيين بعمان وساحل عمان» كما أن هينيل المقيم السياسي البريطانيء على الرغم من أنه بذل كل ما في استطاعته مع شيوخ القبائل في ساحل عمان» لضمان عد. خضوعهم للمصريين» فإنه لم يكن متفائلا وخاصة إذا ما وصلت تعزيزات برية من جانب خورشيد باشا وبعودة سعد المطيري إلى ساحل عمان برفقة قوات ومعدات عسكرية أخرىء» وفعلا كان خورشيد باشا يريد العودة إلى ساحل عمان» فقد جاء في كتابه إلى باشمعاون عباس الأول بقول(5):
إن عمان تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول يحكمها سعيد بن سلطان حاكم مسقط والثاني ابن عمه الإمام حمود بن عزان (ويقصد منطقة الباطنة ومدينة صحار) والثالث منطقة الظاهرة (ويقصد بما فيها البريمي) التابعة لسعودء في حين كانت رأس الخيمة أيضا تتبع سعود» وكان سكانها يعملون في البحر حتى
-54-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان- .,1997 د. محمد العيد
جاء البريطانيون فأحرقوا سفنهم ومساكنهم التي على البحر (ويقصد الحملة البريطانية لعام 1819 على رأس الخيمة) وفرضوا عليهم الحماية» (اتفاقية السلام العامة 1820). وبما أن جميع المناطق الخاضعة والتابعة لنجد أصبحت تحت الحكم المصري» فنرجو من سعادتكم عرض الأمر على محمد علي باشا لاسترجاع تلك المناطق سواء التي تحتلها بريطانية أو البريمي ومنطقة الظاهرة -(أي خورشيد باشا يريد تحرير ساحل عمان من الاستعمار البريطاني). شم يقول خورشيد باشا بأن جميع المقاتلين والخيالة والهجانة جاهزين لتنفيذ الأوامرء علما بان البريطانيين لن يستطيعوا التوغل إلى البر لوجود رمال وأراضي معطشة وثانيا لوجود القبائل العربيةء حيث يقول 'العربان بذلك الطرف لا يحصى عددهم إلا الله" (وهو دليل على كثرة عدد أفراد العرب)ء وصعوبة القتال في المناطق الداخلية لوجود القبائل العربية وذلك مهما بلغ عدد افراد القوات البريطانية حتى لو كان خمسين ألفاء فإنهم لن يستطيعوا عمل أي شيء أمام القوات المصرية والقبائل العربيةء ونحن في انتظار الرد السريع والأمر متروك لكم؟. يتضح من هذه الرسالة بأن الاحتمالات التي ذكرها هينيل كانت واردة» ولا بد أن تكون لها عواقب وخيمة على النفوذ البريطاني في ساحل عمان. وبهذا المعنى بعث هينيل بتقرير عاجل إلى حكومة بومباي» وأبدى فيه عدم ارتياحه من جدوى الاحتجاجات التي كان يقدمها القنصل البريطاني في مصرء لان هينيل كان قليل الثقة في تأثير مزاولة الضغط على حكومة محمد علي» لكبح جماح خورشيد كي يحد من توسعه في الجزيرة العربية» لأن محمد علي لا يمكنه أن يغير رأيه في متابعة مخططاته في ساحل عمان» في الوقت الذي أخذ سعد بن مطلق يطلب من سلطان عمان الاجتماع إليه وطاعته ودفع الز کا7 . ١
أكد هينيل بأنه ليس هناك أي شيء يمكن أن يوقف الجيش المصري عند حده هذا سوى استخدام القوة المسلحة وتعزيز الأسطول البريطاني في مياه
-55-
ي نحو ساحل عمان 1840-1839.
الخليج العربيء وقال إذا ما حاول خورشيد باشا الزحف بقواته أو إعادة قائده سعد المطيري إلى ساحل عمان بمزيد من العتاد ورال فينبغي قيام الأسطول البريطاني بعرض مسلح في هذا الجزء من العالم وفرض حصار بحري على سواحل القطيف والعقير وسيهات. وفي حالة قيام خورشيد باشا بهجوم على البريمي» التي تعتبر مفتاح الطريق إلى عمان الشماليةء لأنه سيكون كافيا لتغير الأوضاع ولتوجيه ضربة قاضية للنفوذ البريطاني الغير مستقر في ساحل عمان. في حالة اشتراك بعض حكام ساحل عمان في هذا الهجوم» ويقصد بذلك حاكم أبو ظبي أو الشارقةء لأنه كان عديم الثقة في وفاء شيوخ قبائل ساحل عمان لتعهداتهم له لتقبلهم في المواقف ولمزاولة خورشيد باشا نفوذا غير عادي عليهم. فينبغي توجيه إنذار لهم ليكفوا عن هذا العملء وإلا سيقوم الأسطول البريطاني بتدمير تحصيناتهم. لا ينبغي على أية حال أن تضيع ساحل عمان كما ضاعت البحرين من قبل»› بسبب سياسة العجز والتردد التي نسير عليها. وكان حاكم البحرين» عبد الله بن أحمد قد ذكر لهينيل في أواخر شهر حزيران عند زيارة المقيم السياسي البريطاني للبحرين وهو في طريقه إلى أبو ظبي» بأنه في الحقيقة كان ينوي التصدي لخورشيد باشاء لو أنه لم يكن قد فقد الأمل في الحصول على التأييد من بريطانية وأن الحكومة البريطانية لم توّفر له " إطلاقا الحماية التي يحتاج لها كي يستطيع مجابهة القوات المصريةء في الوقت الذي لم يكن فيه الحاكم العام في الهند مستعداً لعقد اتفاقية جديدة مع شيخ البحريك.
لكن هينيل لم يكن يثق في أقوال حاكم البحرين. وكان يرى أن السياسة الاستسلامية التي يسير عليها الشيخ» تعود إلى الشيخوخة وإلى رغبته في حياة هادئةء بالرغم من أن هينيل كان يعتقد بأن أحاديث حاكم البحرين لم تكن كلها عارية عن الصحة”» وذكر هينيل أيضا بأن خورشيد باشا قد أصبح يتمتع بمركز مرموق بين سكان المنطقة الشرقية من الجزيرة العربيةء وله سمعة
~56-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان- .,1997 د. محمد العيد
عالية وكلام مسموع لدى قبائل المنطقةء ولذلك إذا لم نقم بإجراء سريع لدرء هذا النفوذ فإن خورشيد باشا سوف يجد المجال مفتوحا أمامه للتوسع كيف مها يشاء وسيصبح في حرية من فتوحاته بعيدا عن نحو ما يريده. من ناحية أخرى› أشار هينيل بأنه لو وجه تحذيرا إلى محمد علي باشا باعتباره مسؤولا عن أيية إصابات أو تلف ينجم عن فتوحاته العسكريةء فإن مثل هذا التحذير سوف يدفعه إلى إصدار أوامره لقواته وقادته في الجزيرة العربية للانسحاب من تلك المنطقةء لكي تقيم بريطانية نفوذها وسمعتها في هذا الجزء من العالم فوق قاعدة اقوی مما كانت عليه من قبل. في الواقع کان هینيل يحذر حكومته ويضتخم لها قوة المصريين في الجزيرة العربية لتستجيب لمطالبه بالتصدي باستخدام القوة المسلحة حتى لا يفكر خورشيد باشا في ساحل عمان» وحتى لا تخسر بريطانية وجودها المهزوز في ساحل عمان» الذي كان في طور التوطيد» وكان توف هينيل نتيجة لعدم وضوح مواقف شيوخ القبائل في ساحل عمان» إضافة إلى سمعة خورشيد باشا التي أخذت تتزايد.
E حضومة العزد حن التوجه العسريي نحو ساحل حمان:
لقيت مقترحات هينيل تأييدا قويا من جانب السير جمس كرناك حاكم بومباي» بعد أن اطلع عليها من التقرير الذي بعث إليه وقال: «رأنه يبدو أن أنصاف الحلول قد تؤدي إلى الفشل الذريع» فإما أن نقف بكل تقلنا إلى جمانب شيوخ قبائل ساحل عمان» لمنع توجه خورشید باشاء أو أن 5 للسيادة المصرية على ساحل عمان» بعد السيطرة على الاحساء والبحرين)). غير أن أوكلاند الحاكم العام البريطاني في الهند عارض هذا الرأي وأشار إلى جمس كرناك» بأن اتخاذ إجراءات للحفاظ على النفوذ البريطاني في ساحل عمان» إنما تتوقف على الخط السياسني الذي تير عليه الحكومة البريطانية تجاه محمد علي وعلى نتائج مباحثات كامبل في القاهرة. وأضاف أو کلاند ق سان من
-57-
ساحل عمان 1840-1839.
الواضح أنه ليس في وسنع حكومة الهند أن تقدم على إجراءات من قبل استعراض القوى البحرية في الخليج العربي لتأييد شيوخ قبائل ساحل عمان› الذين ربما يرفضون الوقوف في وجه خورشيد باشا بالطريقة التي تريدها هذه الحكومةء وأن استعراض هذه القوى قد يؤدي إلى نتائج حاسمة إلى انسحاب الجيش المصري تماما من المنطقةء والتخلي عن النفوذ الذي حققه مؤخرا في المنطقةء كما أننا لا نستطيع الاعتماد على الشخصيات المتقلبة والمواققشف الخادعة لكثير من شيوخ قبائل في ساحل عمان» أو تأييدهم للجهود التي نبذالها من أجلهم» وكم يبدو بأن خورشيد باشا أصبح يمارس نفوذا قويا عليهم» وفي الوقت الذي يستمر هؤلاء الحكام في خاذلهم وطالما أنهم غير متحمسين وغير عابئين بالمجهود البريطاني» فإن محاولتنا لتشجيعهم على الحفاظ على استقلالهم سوف يتطلب منا حجما كبيرا من القوة لتحقيقه» وهو الأمر الذي لا يتفق مع الاعتبارات السياسية الراهنة التي تلتزم بها حكومة الهند في الوقت الحاضر من هذه القضية. مما يؤدي إلى نتائج وخيمة وسلبية ويجعل مجهودات بريطانية القائمة على الوقوف بجانبهم ثائوية للغاية().
ومهما يكن من آمر» فإن خضوع البحرين للسيادة المصرية وعدم الثقشة في شيوخ قبائل ساحل عمان كان يسبب قلقا شديدا لأوكلاندء الذي رفض جميع التفسيرات التي قدمها عبد الله بن أحمد حاكم البحرين لخضوعه للمصريين. ويعتقد أوكلاند بأنه مثل غيره من شيوخ قبائل ساحل عمان» ملزم تجاه الحكومة البريطانية بتنفيذ معاهدة السلام العامة المعقودة عام 1820ء وإن تعاونه مع المصريين يصبح تبعا لذلك خرقا لتلك الالتزامات التي وقعهاء كما ينطبق هذا الرأي على بقية شيوخ قبائل ساحل عمان» مثل سلطان بن صقر وخليفة بن شخبوط. وبالتالي» يرى أوكلاند بأن الإجراء الوحيد الذي سوف يلزم شيوخ قبائل ساحل عمان بالتقيد بنصوص معاهدة السلام العامة وعدم التمادي في خضوعهم للمصريين» هو الحصول على تعهد خطي بالاستمرار في تلك
-58-
مچلة دراساٽ تاریخيه-العددان 60-59-کائون2-تيسان-1997, د. محملك
ا العيدروس
الالتزامات مع تقديم بعض المساعدات العسكرية إليهم» والتسي تمكنهم مر الوقوف في وجه الجيش المصري» والحفاظ على استقلالهم. ولكن أوكلانسد عارض طلب هينيل بتقديم الحمايةء وقال إن هذا يتعارض مع الخطوط الأساسية للسياسة البريطانية في علاقتها مع شيوخ ساحل عمان» وهو عدم التدخل في شؤونهم الإقليمية. ولكنه على أية حال وافق من حيث المبدأ على تقديم الحماية البر يطانة7.
واعترض أوكلاند بأن يشمل مشروع الحماية البريطانية شيوخ قبائل البوشامس في البريمي» كما جاء في خطاب هينيل إلى سعد المطيري» إضافة إلى عدد آخر من المقترحات الهادفة نحو مزيد من الإيجابيية في معارضة القوات المصرية وأنصارهم في المنطقة. وكانت حكومة الهند ترى أن مشكلة توسع القوات المصرية في فتوحاتها إنما هي من اختصاص مجلس الوزراء البريطاني في المقام الاول» ومحتمل أن تكون المخاوف المتعلقة بالحرب في أفغانستان في ذلك الوقت قد أثرآت على أعمالها في ساحل عمان. ولكن تفويض 1 صدر للمقيم السياسي البريطاني بأن يستمر في ساحل عمان» وصادق أوكلاند على کل ما قام به الکابتن هینیل وأثنی على كفاءته وحماسته. وأحال أوکلاند مقترحات هينيل باستعراض القوة البحرية إلى ميتلاندء القائد العام للأسطول البريطاني في الهندء للنظر فيها وإن كانت .الشكوك قد ساورته في احتمال الموافقة على هذا الإجراء في القريب العاجل» أما توفير السفن لهذه الققوة الاستعراضية فقد كان من اختصاص حكومة بومباي. وأبدى أوكلاند موافقتقشه على اقتراح هينيل بإرسال أحد الطرادات البريطانية إلى الخليج العربي» إذ استطاعت حكومة بومباي تكليف هذا الطراد بالقيام بدوريات بحريةء لمنع تسلل الجماعات المسلحة الموالية لخورشيد باشا إلى ساحل عمان. يبدو أن أوكلاند في هذا الخطاب يحاول التملص من اتخاذ قرار ثابت» لأنه كان يعلم بمجريات الأمور. فلقد كتب إلى ميتلاند في شهر تموز يقول: ...((كما أن خورشيد باشا
-69-
سا عمان 1840-1839 .
في انتظار أن تأتيه التعليمات من القاهرةء كذلك فإني أنتظر التعليمات من لندن. والتركية والأوروبية مثلما هو مرتبط بالسياسة الشرقيةء وأن المعلومات القليلة التي في حوزتي لا تكفي للاسترشاد بها في هذا الموضوع).
قد يرجع التردد الذي كان يعاني منه أوكلاند في اتخذاذ القرارء إلى القدرات والإمكانات العسكرية والمالية التي استنزفت بسبب العمليات العسكرية في أفغانستان» والتهديد المصري للنفوذ البريطاني في البحر الأحمر»ء كان يستدعي الاحتفاظ ببعض السفن والقوات في عدن للدفاع عنها ضد هجمات القبائل اليمنية أو ضد أي هجوم يقوم به المصريون من اليمن» إضافة إلى الخلافات مع الصين» مما جعل تواجد بعض السفن في منطقة الشرق الأقصى ضروريا. ولهذه الأسباب» فإنه كان من الصعب قيام بريطانية بأية عمليات عسكرية ضد القوات المصرية إذا ما حاولت الدخول في ساحل عمان. وقد ذكر أوكلاند لفاريش نائب الحاكم في ترانكو مالي في هذا الصدد قوله: قد تكون العمليات الحربية في الخليج العربي إجراءا مرغوبا فيه» غير أن هذا الإجراء لم يكن يتم بأقل من عشرة ألف جندي وست من السفن الحربية وملايين الروبيات» وبالتالي أرى أن الظروف غير مواتية للقيام بهذه العملية. يتضح من ذلك بأن بريطانية كانت لديها النية لعمل عسكري ضد المصريين» ولكن الطظروف التي كانت تمر بها حالت دون قيام ذلك» ولهذا لجات إلى التهديد والتخويف والأساليب الدبلوماسية والسياسية. كما كان ميتلاند قد أوضح لفاريش في بداية شهر تموز عندما قال: إن الصلاحيات التي أتمتع بها صلاحيات واسعةء وقد قال هذه العبارة ردا على طلب نلقاه من نائب الحاكم فاريش لإرسال بعض قطع الأسطول أو سفينة حربية واحدة على الأقل إلى الخليسج العربي في أسرع وقت ممكن» وقد أضاف ميتلائد في رسالته قوال": لقد أصبحت الطلبات على السفن القليلة التابعة لقيادتي كثيرة وعاجلة بحيث لا أجد
-60-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997,. د. محمد حسن العيد
مجالا لإرسال بعض هذه القطع إلى الخليج العربي من وقت إلى آخر»›في الوقت الذي كانت هناك أربعة عشرة سفينة تعمل في مياه الهند الشرقيةء وتتألف میتلاند ا التایید الذي كان يلقاه هينيل المقيم السياسي لبر ا فى الخليج العربي من أوكلاند الحاكم العام في الهند.
هناك رأيان لعدم موافقة أوكلاند على التدخل العسكري حيث يقول:
الرأي الأول: إذا كان "أوكلاند" لم يوافق على التوصيات الخاصة بوجوب القيام بالتظاهرات والحصار البحري في الخليج العربيء فإن ذلك نابع بالدرجة الأولى من أنه لم يكن من أنصار مبدأً التدخل العسكري» خصوصا في الشؤون المحلية للقبائل» وهو مبدأ التزم به عدد من كبار المسؤولين البريطانيين من قبل» لرغبتهم في عدم إثقال كاهل الخزانة البريطانية بالأعباء العسكرية التي يتطلبها مثل هذا التدخل. ولكن يبدو أن و أدرك خطاأا هذا المبدأء خصوصا وأن العمل بمقتضاه كان قد توقف مع بداية عام 1839ء عندمل وافق البريطانيون على احتلال عدن لإحباط قيام محمد علي بفتحهاء وأصبح الموقف الآن أكثر طلبا لوقفهء فقد بدا للوهلة الأولى أنه طالما أن الخليج العربي قد أصبح خاضعا للنفوذ البريطانيء فإنه ينبغي الحفاظ على ذلك بالوقوف في وجه أي تحد من القوى الخارجية. لا يمكن أن يوجد موظف في الإدارة الاستعمارية البريطانية لا يوافق على التدخل العسكري» إذا كانت المصلحة العليا البريطانية تقتضي ذلك أو مهددةء لان سر التفوق البريطاني» كان يكمن في الممارسات الاستعمارية واستغلال الشعوب والتدخل العسكري.
لهذا اشتهر رجال الحكم في بريطانية بهذه الصفات الاستعمارية وحصلوا على تلك الأوسمة والأنواط الرسمية. ومع ذلك فقد يكون هذا الرأي إلى حد ما صحيحاء ولكننا نرجع سياسة "أوكلاند' إلى عدم مقدرته لأسباب مالية وعسكريةء وليس لأنه كان من أنصار عدم التدخل العسكري.
-61-
ساحل عمان 1840-1839,. .
الرأي الثاني: سوف نناقش هذا الرأي» وهو الأهم لأنه يمثل رأيا بريطانيا معارضا لأوكلاندء لعدم تدخله العسكري» وغير مقتنع لتبريراته حييث يقول المؤرخ البريطاني جون كيلي»ء معارضا أوكلاند لعدم تدخله في الخليج العربي ضد القوات المصرية بقوله: رنه لا يمكننا إلقاء اللوم على "أوكلاند' وذلك بسب نقص الإمكانات التي كانت تحت تصر فه» غير أن الممارسات التي أبداها في عدم اتخاذه أية إجراءات لا تبدو سليمة. ولما كان يعتقد بأن الحل الوحيد هو انسحاب المصريين انسحابا تاما من الخليج العربي»ء فقد كان يتعين عليه أن يتخقذ الخطوات اللازمة لمواجهة هذا الوضع» فضلاً عن أنه كان يعلم تمام العلم أن شيوخ قبائل ساحل عمان كانوا مترددين وغير جادين في مواجهة التوسع المصريء هذا بالإضافة إلى أن خورشيد باشا كان له نفوذ واسع على أولئك | الشيوخ. ومع ذلك» فإن "أوكلاند" لم يتخذ أية إجراءات للرد على ذلك النففوذء كما لم يكن "أوكلاند" موفقا في أحكامه على شيوخ قبائل ساحل عمان»ء وكان أشيخا دبي وآم القوين قد رفضا استقبال سعد المطيري والترحيب به في منطقتيهما. ثم يقول "كيلي": بأن تصرفه على أساس مبدأ عدم التدخل أو التدخلى العسكري بوجه خاص في شؤون الجزيرة العربي لم يكن واقعياء وصحيح أن ' هذا المبدأ كان معمولا به منذ عام 1821ء غير أن "أوكلاند" قد صرف النظر اعنه منذ بداية عام 1839ء عندما أقر الحملة البريطانية لاحتلال عدن حى لا اتقع في أيدي المصريين» وبالتالي فإن الأوضاع في الجزيرة العربية في تلك الفترة كانت تشبه الوضع في عدن. ومنذ بداية دخول النفوذ البريطاني إلى المنطقةء فقد ظل يواجه تحديات مستمرة من الخارج» كما أن مركز خورشيد باشا قد نشا بحكم الانتصارات العسكرية التي حققها. وكان الاعتقاد السائد في ٠ ذلك الوقت أنه رغم تفوق البريطانيين في البحرء إلا أنهم لم يكونواندا للمصريين في البر“).
67
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. محمد العيدروس
لو نظرنا لوجهة نظر 'كيلي" لوجدناها نظرة لا تتفق مع الواقع. فالذي أصدر تعليمات لاحتلال عدن» كان أيضا من السهل عليه إعطاء أوامره لاحتلال ساحل عمان من جديدء بدلا من عقد الاتفاقيات مع شيوخها. ولكن بسبب النقص الذي كان يعاني منه في الأسطول والقدرة العسكرية للظضروف التي نشأت في أفغانستان وأوضاع الصين» فإن أية مخاطرة عسكرية في الجزيرة العربية وخاصة في ساحل عمانء كان محكوما عليها بالفشل لعدة أسباب» منها أنه كان في استطاعة خورشيد باشا الزحف نحو ساحل عمان من الأحساء وحشد القبائل العربية ضد بريطاتية. كما كان من الصعب على الجنود البريطانيين أن يحاربوا في صحراء الجزيرة العربيةء التي يندر وجود الماء فيهاء إضافة إلى الحر الشديد في تلك الفترة أي شهري تموز وآب» أما بالنسبة لاحتلال عدن فكان سهلا لوجود موانع طبيعية وجبال تحيط بعدن» ويمكن التحكم في المدينة عن طريق مدافع الأسطول وليس هناك حاجة إلى التوغل داخل اليمن. أما في ساحل عمان وشرق الجزيرة العربية الشاسعةء كان بإمكلن قبائل المنطقة والجيش المصري الاحتماء في المناطق الداخلية وبعيدا عن مرمى مدفعية الأسطول البريطاني» مما يجبر بريطانية إنزال قواتها إلى السبر ومن ثم تنجّر إلى حرب الصحراء»ء وهذا ما كانت تخشاه» وخاصة بعدما اكتسب الجيش المصري عدة تجارب وحارب في المناطق الصحراوية» ولهذا يسهل عليه أن يخوض حربا صحراوية ضد بريطانية. يرجع السبب الآخر إلى عدم الثقة في شيوخ ساحل عمان» الذين قد ينقلبون على بريطانية نفسها وينضمون للمصريين»ء فيضيع كل ما بناه. البريطانيون من نفوذ في المنطقة الحيوية لهم.
کا فی کات ع فال هال نالرات المصريين»ء وخاصة حاكمي أبو ظبي والشارقة. وكان باستطاعة الأول لو حصل على الأسلحة فقط من المصريين» أن يصد الهجوم البريطاني بمفرده وأن يحشد أفراد القبائل التي تعيش في صحراء "ليوا" المجدبة على مشارف الربع
ساحل عمان 1840-1839.
الخالي» والمعروفة بصعوبتها ووعورتهاء وكانت تسمى "مقبرة الغغفزاة". أما حاكما أم القوين ودبي كما يقول كيلي أنهما يقفان إلى جانب البريطانيينء فليس لهما وزن كبير في ساحة ساحل عمان إذا ما قورن "بالشارقة" و "أبو ظبي' ومن المحتمل أيضا أن ينضم حاكما أم القوين ودبي إلى صفوف الشارقة وأبو ظبي نظرا لارتباطهما العضوي والمصيري العربي. لهذا يمكننا أن نفند الآراء التي تقول بان "أوكلاند' كان يعرض الوجود البريطاني في الخليج العربي للخطر» بل العكس من ذلك» لأن الظروف التي حالت دون استخدام القوة ضد المصريينء هي التي أنقذت بريطانية ونفوذها في ساحل عمان.
وعلى العموم» لو نجح سعد المطيري في فرض السيادة المصرية على ساحل عمان» لكان من الصعب على بريطانية استرجاع نفوذها من جديد في تلك الجهات» لأن عرب ساحل عمان سوف يعودون إلى تسليح أنفسهم بعدها كانت بريطانية قد منعتهم من العمل العسكري البحري» وذلك سواء بمساعدة المصريين أو بالجهود الذاتيةء كما قد يجدون مساعدة من إخوانهم في عمان الداخل» الذين كانوا بطبيعة الحال ضد الوجود البريطاني» الذي كان يقف دائما بجانب حاكم مسقط»ء ضد توجهاتهم الاستقلالية في الداخل» إضافة إلى إخوانهم من قبائل الجزيرة العربية الذين سوف يلبون نداء الواجب ويتخلصون من النفوذ البريطاني» ويكونون مستعدين لمواجهته إذا ما أرادت بريطانية تجبهيز حملة أخرى كتلك التي جاءت بها عام 1819. ولم يكن في وسع بريطانية إعداد تلك الحملة من جديدء نظرا للظروف العسكرية والمالية التي كانت تمر بها. علما بان السيطرة البريطائية على ساحل عمان كانت في بدايتهاء ولم تتغلغل أو تتماسك في تلك الفترةء ولكنها سوف تزداد بعد انسحاب المصريين»؛ ثم تزداد أكثر عند مجيء حملة مدحت باشا على حدود أبو ظبي "خور العديد' عام 1 وتفرض بريطانية معاهدة عام 1892.
-64-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. : ع العيد
فنشل المناورات البحرية )لبريطانية:
وصلت في بداية شهر آب إلى مسامع القوات البريطانية في جزيرة اخرج" أخبار هزيمة الجيش العثماني أمام إبراهيم باشا عام 1839 في معركة انصيبين'» وبعدها نبأ وفاة السلطان العثماني ثم انضمام الأاسطول العثماني لمحمد علي باشا. بعدها بأيام قليلة» وصلت تلك الأخبار إلى ساحل عمان» ولكن سعد المطيري كان قد غادر الشارقة عائدا إلى "العقير" في "الاحساء"ء وبذالك وفى سلطان بن صقر بوعده للبريطانيين بإخراج القائد المصري من منطقته.
وصل في نهاية شهر آب خطاب من خورشيد باشا إلى هينيل» أكد فيه الحاكم المصري في نجد» بأنه لا ينوي التحرك من قاعدته في "الترمدة" مالم تصله أوامر من حكومته في القاهرة. كما أبلغ المبعوث الذي حمل ذلك الخطاب إلى هينيل» بأن سعد المطيري قد توجه إلى معسكر خورشيد باشا بعد نزوله العقير مباشرة.
وهو الأمر الذي استنتج منه هينيل احتمال تحركات جديدة يقوم بها المصريون نحو ساحل عمان والبريمي. ومما عزز هذا الاستنتاج» وصول أخبار من ساحل عمان» تفيد بأن الهجوم الذي قام به خليفة بن شخبوط على البوشامس في البريمي» كان بإيحاء من المصريين» في الوقت الذي تمكن فيه الوكيل البريطاني في الشارقة من الاستيلاء على بعض الرسائل التي كان بعمث بها خورشيد باشا إلى سعد الميطري وسلطان بن صقرء وأرسلها إلى المقيم السياسي البريطاني» مما جعل هينيل يفسر ذلك بان خورشيد باشا كان يهدف إلى إرسال سعد المطيري من جديد إلى الشارقةء لتوطيد النفوذ المصري في ساحل عمان» مما جعله يحذر خورشيد باشاء بأن الحكومة البريطانية لن تحتملى تدخله بعد الآن في شؤون قبائل ساحل عمان» وأن خليفة بن شخبوط لا يمكنه التحلل من التز امه بمقتضى المعاهدة بهذه السهولة. ثم قدم هينيل مقترحات إلى
-65-
ساحل عمان 1840-1839.
حكومة بومباي» يطالبها بتوجيه تحذير إلى حاكم أبو ظبي» بأن الحكومة لبريطانية سوف تقوم بتدمير سفنه وتحصيئاته إذا لم يتوقف عن الاعتداءات على البوشامس والنعيم ويعوضهم عن الأضرار التي لحقت بهم من جراد الاعتداءات على منطقتهم. وانتهز هذه الفرصة ليذ كر بتوجيهاته السابقة بوجوب مرابطة إحدى السفن البريطانية بالقرب من ساحل القطيف» وتوجيه تحذير إلسي. خورشيد باشاء بعدم إرسال أي سفينة تحمل أسلحة إلى ساحل عمان(). كم دکرناء لم يقبل 'أوکلاند" جمیع توصیات هينيل› ڊرغم إحساسه بالوضع الطاروى: الذي تضمنته تقاريره» إلا أنه أوضح لميتلاند قائد الأسطول البريطاني بعسسض التطورات التي استجدت في المنطقة» بأن المناورات البحرية للسفن البريطانية في مياه الخليج العربي أصبحت ضرورة مستعجلة. واستجاب ميتلاند لسهذه الاوامر بسرعةء فأبحر من 'ترنكومالي" إلى 'مدراس" في أواخر أيلول 1839ء لتموين سفنه وقواته وبعد وصوله إلى بومباي في الثالث من تشرين الثاني 9 بصحبة الأسطول البريطاني» وقبل توجهه نحو الخليج العربي» وصلته أخبار غير سارة عن الموقف في الصين من الحكومة البريطانيةء مما لم يترك له حرية الاختيار في اتخاذ القرار» سوى الإبحار فورا نحو الشرق الأقصى.
بذلك تحطمت جميع الأمال في إجراء مناورات بحرية في مياه الخليج العربي على سبيل استعر اض القوةء لأن حكومة بومباي كانت غير قادرة على أن تفعل شيئا لتحسين هذا الموقف كما تحطمت آمال هينيل لمعرفقه بالوضع المتأزم الذي تعاني منه الحامية البحرية في الخليج العربي طوال النصف الثاني لعام 1839.
أبلغ الكومندور '"بركس" قائد الحامية البحرية في الخليج العربي في أواخر أيلول» بأن السفينتين الاثنتين تحت قيادته لم تعد تصلحان للأعمال التي قد تناط بهماء والتي تتطلب ما لا يقل عن أربع سفن شراعية وباخرة واحدة أو سفينتين شراعيتين وباخرتين إحداهما لحراسة القاعدة في جزيرة "اخرج'
-66-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997. د. محمد ¢ العيدروس
والأخرى لأعمال المراقبة في بوشهر» والثالثة للقيام بدوريات من المياه الإقليمية في ساحل عمان جنوباء وحتى البصرة شمالا. هذه العملية تستغرق م لا يقل عن شهر؛ وحامية أخرى للإشراف على المواصلات مع بومباي. وأشار بركس إلى احتمال أن تظهر تطورات غير متوقعة في المنطقة» مما يتطلب وجود طرادين أو ثلاثة معاء في الوقت الذي كانت حكومة بومباي عاجزة عن سد النقص الذي تعاني منه وحدات الأسطول البريطاني المرابط في الخليج العربي» في الوقت الذي تقرآر سحب السفينة "هيوليوس" التي كانت تقوم بأاعمال الدورية في مياه الخليج العربي في شهر تموز لتستانف عمليات نقل البريد الصحراوي إلى السويس. أما السفينة الفستون الوحيدة الموجودة في بومباي» قد كانت غير صالحة للعمل نظرا لأنها كانت تجبرى عليها بععمض الإصلاحات والصيانة. ولحسن حظ هينيل» لم يظهر خورشيد باشا أية نية خلال شهر أيلول توحي باستئنافه العمليات العسكرية في ساحل عمان» وذلك بعدا استاء من قيام الوكيل البريطاني في الشارقةء وبناء على أوامر المقيم السياسي البريطاني لطلبه من سلطان بن صقر بطرد سعد المطيري» ومن امتثال خليفة»ء حاكم أبو ظبي لمطالب هينيل بدفع تعويضات إلى الشوامس عن الأضرار التي لحقت بهم.
اتضح لهينيل بعد فترة من الزمنء بأن الشوامس هم الذين اضطروا حاكم ابو ظبي إلى مهاجمتهم» كما وصل "أرتون" طبيب خورشيد باشا إلى جزيسرة 'خرج"» في السابع والعشرين من تشرين الأول»ء حاملا رسالة إلى هينيل» ولم يتطرق في الرسالة إلى إبعاد سعد المطيري من ساحل عمان» وإنما تركزت الرسالة على مطالبة خورشيد باشا بالسيادة المصرية عليهاء استناد! إلى تبعيتها لاسرة السعود التي هي تابعة للمصريين. برغم معرفة الحكومة البريطانية في لندن بتوقف تحركات المصريين خلال الشهور الأخيرة من عام 1839ء إلا أنها كانت قلقة جدا بعدما وصلت تقارير "أدمونز" المقيم البريطاني المساعد في
-67-
ساحل عمان 1840-1839,
الخليج العربي إلى بالمرستون» وزير الخارجية» حول الإمدادات التي يتلقاها خورشيد باشا وحول حصوله على تعليمات من القاهرة بإخضاع ساحل عمان. بعدها أبرزت تلك التقارير للوزير البريطاني» بأن محمد علي ليست لديه نية الالتزام بالتأكيدات المتكررة من جانبهء بأنه لا يسعى لكي يقيم لنفسه نفوذا دائما في الخليج العربي» ولذا يجب بذل الجهود لمنعه من منافسة بريطانية في هذا المجال»ء لما قد ينتج عنه تدهور في النفوذ البريطاني ومصالحها في المنطقة. أما بالنسبة للبحرين» فينبغي على بريطانية أن تنظر إلى أية محاولة من جانب المصريين لامتلاكها بمثابة إعطائها الحق الواضح في قيامها بالتوسع أو مساعدة سلطان عمان في مشروع ا
ولا سيما أن سلطان عمان قد عرض على محمد علي باشا أن يخضسع البحرين للسلطة العثمانيةء وبالتالي يلتزم هو بدفع الجزية والاعتراف بالسيادة المصرية“. وحينئذ عزم "أوكلاند' على مواجهة الأمور في المنطقةء والعمسل على إحباط التوجه المصري إلى ساحل عمان» كما قرر هينيل إرسال الكسابتن "همرتون" والمتمركز آنذاك في القاعدة البريطانية بجزيرة خرج؛ بالإبحار إلى الشارقة ومنها إلى البريمي» بينما توجه هينيل نفسه إلى مسقط› ليحث سلطان عمان على الاستعداد وتجهيز قواته وتقديم مساعدات عسكرية لقبائل البريمي› لمواجهة الجيش المصري. يعتبر سلطان عمان من المؤيدين لمشروعات محمد علي في الجزيرة العربية» وعلى علاقة وثيقة به» رغم تخوفه من وجود قوة كبيرة منظمة بقربه. وكان سعيد بن سلطان من الحكام المتنورين والذين يشون كثيراً من التقدير لحاكم مسلم كمحمد علي» نجح في الأخذ بأساليب التطور الحديث» وبالتالي لم تكن تهمه مسألة السلطة في إحدى مقاطعاته مثل البريمي› ولم يكن أحد يثير ضجة حوله سوى بريطانية. أوضح حاكم عمان موقفه لهينيل عندما أخبره الأول بأنه ليس في الإمكان إيقاف القوات المصرية بأية وسيلة أو قوة لشيوخ القبائل في ساحل عمان ووضعها في ميدان المعركة”ء كما لم تعد
-68-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان- .1997 د. محمد العيد
أية ضرورة لقيام تحالف قبائل المنطقة ضد عدو مشترك» لأن مثل هذا التحالف لن يعطي الثمرة المرجوة» في حين كان يرى سلطان عمان» أن الحكومة البريطانية وحدها القادرة على وقف تقدم الجيش المصري»ء وطلب من هينيل إنزال قوات بريطانية في البريمي» بدلا من إيجاد تحالف قبلي. وكانت دهشته كبيرة عندما تبيّن له أن البريطانيين لم يفكروا في التدخل العسكري بقوات بريطانية» وكان الهدف الرئيس من زيارة هينيل؛ إقناع حاكم عمان بسالوقوف ضد القوات المصريةء غير أنه فشل في مهمته تلك.
غادر هينيل مسقط في الأسبوع الأخير من كانون الأول» متوجها إلى الشارقةء فوصلها في السادس من كانون الثاني عام 1840ء وعلم هناك بأن الكابتن "همرتون" لم يتمكن من الدخول إلى ساحل عمان» بسبب موقف سلطان بن صقر. نقل إليه "همرتون" الدسائش التي حاكها شيخ الشارقة» فضلا عسن الإشاعات التي تملا ساحل عمان عن قرب مجيء المصريين وانهيار النفوذ البريطاني في ساحل عمان» وانحياز الفرنسيين إلى جانب المصريين» وغير ذلك من الإشاعات التي تبناها سلطان بن صقر؛ في الوقت الذي كانت لهجة شيخ الشارقة شديدة عندما اجتمع معه. كما تعرض همرتون أثناء رحلته إلى البريمي إلى هجوم قام به رجال من قبيلة بني قتب» الموالين لسلطان بن صقو› فسلبوا الرسائل منه.
على أثر ذلك» وجه هينيل إليه وإلى غيره من الشيوخ تحذيرا جاء فييه: «فليكن معلوما أننا قد أنذرنا العامة أن كل واحد من المشايخ الداخلين في سلك الصلح مع جناب حضرة السركال بها دور يعطي سعد المطيري مكانا عنده يقع الخلل في صداقته مع حضرة السركال ذي الاقتدار ولا يلومن إلا نفسه)» ثم تعَهد هينيل من جانبه بإمداد أولئك الشيوخ بالأسلحة ومعدات القتال. من ثم نجح هينيل في الحصول على تعهدات من شيوخ قبائل ساحل عمان بعدم التعاون مع سعد المطيري وخورشيد باشاء إذ أن هذا التعاون يعد خرقا صريحا لروابط
-69-
ساحل عمان 1840-1839.
الاتحاد والصلح القائمة بينهم وبين الحكومة البريطانية. وكان أبرز شيوخ قبائل ساحل عمان الذين كتبوا هذه التعهدات» خليفة بن شخبوطء شيخ قبيلة بني يلس» ومكتوم بن بطي شيخ قبيلة البوفلاسة وسلطان بن صقر شيخ قبيلة القواسم. ولم تكن هذه التعهدات إلا مقابل وعد شفهي» بأن يمد أولئك الشيوخ بالأسلحة ومعدات القتال إذا ما اقتضت الضرورة ذلك.
عندما تعذر على الكابتن "همرتون" الذهاب إلى البريميء» قرر شيوخ قبيلة البوشامس التوجَه إليه بأنفسهم ومقابلته في عجمان»ء وكان شيخها من نفس قبيلتهم. وعندما عرفوا بأن هينيل سيصل في الأسبوع الأول من شهر كانون الثاني» قرروا البقاء هناك حتى يصل» ويجتمعوا معه شخصياء لأنهم كانوا يقفون بجانب بريطانية ضد سعد المطيري»ء وعزمهم على الصمود ضد القوات المصرية بكل ما لديهم من قوةء لإخراجها من المنطقة.
استقبل هينيل قبائل البوشامس والنعيم بعد وصوله عجمان مباشرة»ء وأشاد بهم على حسن مواقفهم من مواجهة خورشيد باشا وقائده سعد المطيري» ولكنه أوضح لهم بان الحكومة البريطانيةء في الوقت الذي لا تنوي التدخل في شؤون قبائل ساحل عمان» أو فرض أي نوع من الحماية على قبائلهاء التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها (وهنا يقصد بالبوشامس والنعيم) فإن بريطانية يهمها جد أن تتوحد قبائل المنطقة ضد الخطر المصري. لهذه الأسباب» فإنه يريد أن تنتتهي الخلافات والمشاكل بين الشوامس والنعيم مع جيرانهم (ويقصد شيخ أبو ظبي ورعاياه مثل الظواهر) لأن استمرار هذه الخلافات يعرأض أمن منطقة البريمي للخطر. يتضّح من ذلك» بأن هينيل كان يريد إيجاد تحالف قبلي قوي» يمكنه الاستعانة به ضد القوات المصزية» إذا ما حاولت الدخول إلى ساحل عمان أو البريمي. وكان يدرك أن هذا التحالف يحمل في طياته بعض التناقضات لوجود خلافات ومنازعات فيما بين شتى الأطراف» مما يضعف من مقاومتها أمام
-70- .
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسأن-1997,. د. محمد العيد
القوات المصرية. ولهذا سعى إلى تصفية الخلافات القائمة فيما بينهم وإغرائهم بتقديم المساعدات لتلك القبائل حتى تستطيع التصدي لخورشيد باشا.
استجاب شيوخ القبائل لهذا النداء البريطاني ضد عرب مصر؛ فوافققوا على عقد تحالف دفاعي بينهم وبين الظواهر ضد المصريين»؛ ولكنهم طلبوا من هينيل أن يطالب من حاكم أبو ظبي أن يكف عن تهديده بالهجوم عليهم. وبعمد مناقشة الموضوغ مع شيوخ قبيلة الظواهر»ء جاؤوا للاجتماع بالمقيم السياسي البريطاني. وقد تمكن الأخير من التوصل إلى الصلح بين قبيلة الظواهر وقبيلة الشوامس والنعيم» في التاسع من كانوا الثاني 1840 عندما قابلهم في عجمان.
ساعد هينيل في الوصول إلى هذا الصلح إصراره السابق على ضرورة قيام حاكم أبو ظبي بدفع التعويضات اللازمة عن هجومهء في حين وافق شيوخ قبيلة الظواهرء بالرغم من تردذهم في الدخول في أي اتفاقء يؤثر في ارتباطهم مع قبائل العوامر والمناصير من قبائل أبو ظبي» على اقتراح هينيل بالاشتراك في حلف دفاعي مع الشوامس والنعيم ضد جميع الأعداء مهما كانوا. وقدمت 'لأموال وهدايا الأرز والبارود والرصاص إلى شيوخ قبائل الظواهر والشوامس والنعيم. وعندما ارتحلوا إلى البريمي في أواخر شهر كانون الثشاني» مضوا مصحو بين بالضابط البريطاني الكابتن "همرتون" وكانت مهمته كخبير ومستشار عسكري» لتقديم النصح والمشورة في أمر الدفاع عن البريمي. وكان هذا الضابط أول أوروبي ينجح في أن يرى الواحة. وعندما وصل إلى هناك» وجد الحصن في حالة يرثى لها ويحتاج إلى الإصلاح والترميم وطلب منهم إصلاح EE
ا
ساحل عمان 1840-1839.
موقفنى بريطانية هن نقل الأسلحة والعؤن المسرية علي السفن؛
أثارت زيارة "هينيل" لعمان وساحل عمان و "همرتون" إلى البريمي» عدة تساؤ لات حول كيفية معالجة المشكلات وما يجب أن تفعله حكومة الهند تجاهها. فقد أشارت بعض الجهات البريطانيةء إلى إمكانية احتلال البحرين بقوة بريطانية وتقوية دفاعات ساحل عمان والبريمي ضد أي غزو محتمل من قبل القوات المصرية. كما أثارت تقارير "أدمونز" المقيم السياسي البريطاني المساعد الذي عهد إليه بالإشراف على المقر السياسي أثناء غياب "هينتيل'. وتدور التقارير حول إحدى السفن التي تعود ملكيتها للكويت» والتي حملت أسلحة ومعدات عسكرية للقوات المصرية من البحر الأحمر إلى القطيف. وتساعل أدمونز عن كيفية معالجة هذه المسألة وما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها نحوهاء وهل يمكن اعتراض السفن التي تقل الأسلحة والمؤن بحرا إلى القوات المصرية أو يمكن التدخل فيهء وتعددت الآراء حول ذلك. ف 'جمس كرناك" حاكم بومباي» يرى عدم القيام باي تدخل ضد المصريين» ما دامت العلاقات البريطائية-المصرية عادية» ومن الأفضل تركه لأوكلاندء الحاكم العام للهند ليتخذ فيه القرار المناسب. ولم يعرف "اوكلاند" ماذا يفعل تجاه هذه المشكلةء فكتب بالمرستون في فبراير 1840 يقول: رلم يكن الطريق واضحا في يوم من الأيام بشأن السياسة المصريةء ويرى قيام تظاهرة حربية تشعر المصريين بمعارضة بريطانية لأي توجه نحو ساحل عمان وإعطاء السلاح والحماية البحرية لشيوخ القبائل إذا مها حاول المصريون التقدم السريع نحوهم).
في حين كان موقف الحكومة البريطانية في لندن من التوجه المصري نحو ساحل عمان» يتلخص في الرسالة التي بعث بها بالمرستون إلى "أوكلاند' الحاكم العام في الهند جاء فيها: "إني في الوقت الذي يمكنني أن أذكر فيه أن
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997.__د. محمد حسن العيدرو
اللهجة السائدة الآن في القاهرة هي لهجة معتدلة جدا» بخصوص جميع تحركات المصريين في الخليج العربي» فإئني لا أوصي أبدا باحتلال البحرين» مع اعتقادي بأن محمد علي عازم على فرض وجوده واستقراره في تلك المنطقةء معتمدا بذلك على ما يتمتع به من سمعة هائلة في ساحل عمان وشرقي الجزيرة العربية» على عكس ما أصبحت عليه الآن سمعتنا وشهرتنا التي تتسم بللضعف في المنطقة نفسها؟. علارة على ذلك فالبحرين كما تشير التقارير غير صحية وأنه بلد شاسع جدا لدرجة لا يمكننا من السيطرة عليه بقوة صغيرة. وفي الواقع فإني لا أرى وسيلة يمكننا بواسطتها الحصول على قاعدة جيدةء نستطيع فيها أن نتصرف بكل قوة وتأثير بدون حلف دفاعي وهجومي مع سلطان عمان. وهذه الخطوة ستكون خطيرة جدا. لا يمكن القيام بها دون نتائج خطيرة جدا" وفي النهايةء تم التوصل إلى حل بين "أوكلاند" و "كرناك" بأنه لا يمكن التدخل في وصول الإمدادات العسكرية بحرا إلى المصريين في الاحساء ونجد» مما قد تجد الحكومة البريطانية المبرر عند مطالبتها السلطات المصرية في الجزيرة العربية بتقديم توضيح عن تحركات بعض السفن والأسلحة إلى الخليج العربي»ء باعتبار بريطانية هي الحارسة الحامية لسلامة الطرق والملاحة في الخليج العربي»› إضافة إلى وجود علاقات ودية بين الطرفين.
قبل اتخاذ "كرناك" قراره حول ما توصل إليه أعلاه» كان "هينيل" قد اتخد قرارا آخر» وهو فرض حظر على إمدادات السفن والأسلحة إلى الققوات المصرية عن طريق البحرء استنادا إلى الصلاحيات المخولة له من "أوكلان د" والتي تمنع تحرك رجال مسلحين بحرا من الاحساء إلى ساحل عمان. وقام بتوجيه رسالة في السابع من شباط 1840 إلى الحاكم المصري في الاحساء يخبره فيها بان أية حملة عسكرية تحاول مغادرة ذلك الميناء إلى ساحل عمان»› ستعترض سبيلها السفن الحربية البريطانية المتواجدة آنذاك في الساحل. ولقييت تصرفات "هينيل" هذه تأييدا من "كرناك" ومجلس المديرين في لندن» في الوقت
-73-
ساحل عمان 1840-1839.
الذي كان بالمرستون لا يبالي كثير! بالتحركات المصرية في المنطقةء في الثلث الأخير من عام 1839ء لأنه كان مشغولا في إيجاد تحالف دولي قوي يتگون من روسية والنمسة وبريطانية ضد مصر؛ إذا ما حاولت الدخول في حرب ضد الدولة العثمانيةء مما يعني إعطاء دماء جديدة لهذه الدولة التي أوشكت علسى نهايتهاء ويسهل على تلك الدول الثلاث السيطرة واقتطاع جزاء من هذه الدولة المريضة. لم تهدأ شكوك بالمرستون من التوّجه المصري نحو ساحل عمان» بل ازدادت بعد أن أكدت التقارير الواردة إليه من "أدمونز" مشيرا إلى الإمدادات المتلاحقة والمرسلة إلى خورشيد باشاء لإخضاع ساحل عمان وإنما أيضا عمان» ولهذا ارتأى "بالمرستون" أن تعتمد حكومة الهند على الفور وبدون تودد اقتراح "هينيل'٠ القاضي بفرض حصارء محذرا في الوقت نفسه من مغبة الاستنتاج الذي توصلت إليه الخارجية البريطانية. وقد شارك "أوكلاند" مجلس المديرين في رأيه هذا ولكن بتحفظ(85).
ااا الف من اليرر اكرة
لقي الجيش المصري في شهر تشرين الثاني 1840 هزيمة على يد قوات التحالف الدولي المشترك للدولة العثمانية وروسية والنمسة وبريطانية»ء وقد وضع هذا حدا نهائيا لمخططات محمد علي وتطلعاته في إنشاء دولة عربية تضم العراق والشام والجزيرة العربية ومصر والسودان» وبمقتضى اتفاق الإسكندرية المعقود في شهري تشرين الثاني وكانون الأول وافق محمد علي› على التخلي عن سورية والجزيرة العربيةء وإعادة الأسطول العثماني إلى الباب العالي. على أثر انسحاب القوات المصرية من الخليسج العربي والجزيرة العربيةء أسرع المقيم السياسي البريطاني بعقد اجتماع مع شيوخ قبائل ساحل عمان في الفجيرة عام 1840ء وعن طريق توزيع الهدايا والأموالء استطاع أن يصل معهم إلى تفاهم بعدم إحداث منازعات في البحر»ء وأكد لهم على الرغم من
~74-
فة دزانسات ي يخية-العددان 0-9-کانون2-نیسان-1997. د. محمد حسن العيدروس '
عدم وضعهم تحت الحماية البريطانية فة فان الحكومة البريطانية ترعى جهودهم للاحتفاظ باستقلالي (۴.
لم يستطع خالد بن سعود ایر ی )
والاحساء من الاحتفاظ بالبحرين: وقرآر "أوكلاند" تكليف حكومة بومباي بإيعاز .'
من "هينيل" في شهر شباط 1841 بتوجيه تحذير إلى خالدء بأنه إذا حاول توسيع
نفوذه إلى ساحل عمان وعمان في جنوب شرقي الجزيرة العربيةء بإرسال قوات
البريطانية الحربية. بعد شهرء علم بأن خالد بن سعود قد اعترف بسلطة البباب ' العالي وتم تعيينه واليا على نجد. وفي شهر أيلول» كتب إلى "هينيل" معربا عن
رغبته في إنشاء علاقات ودية مع الحكومة البريطانية. وعلى الرغم من عرضه N E N pF
e u الأخير مايزال على
علاقات ومراسلات منتظمة مع شيوخ قبائل ساحل عمان. وفي عام 1841ء وقع خطاب موجه إليه من سلطان بن صقر بين أيدي قبيلة الشوامس الذين تبيشوا بأن الخطاب يشير إلى مخطط للقضاء عليهم. وفي تشرين الثاني 1841 كان خالد بن سعود في الهفوف بالاحساءء وكانت تحركاته تشير إلى اعتزامه السير إلى ساحل عمان”. فوجهت الحكومة البريطانية إليه إنذار؟ بعد زيارة خالد بن
سعود إلى القطيف› وأنكر الأول في رده أن تكون له له ظط فد اقل:
عمان.
سرعان ما قرر هينيل" إيفاد مبعوث خاص إلى خالد بن سعود. وتم اختيار "كيف جوب" لهذه المهمةء وتم إيفاده إلى 'الهفوف" للاجتماع معه»! وتحذيره من القيام باي تحرك عسكري ضد ساحل عمان وعمان» سواء عن طريق البر أو البحر. وعلى الرغم من أن خالد بن سعود خلال مقابلته لججوب
-75-
ساحل عمان 1840-1839.
أكد على حقه في إخضاع البريمي لسيادتهء إلا أنه وافق على صرف النظر عن الفكرة. وقد أعاد تأكيد رأيه هذا في الخطاب الذي بعث به إلى "هينيل" بصحبة جوب. والواقع أن خالد بن سعود لم يكن ملزما بتوجيه ذلك الخطاب إلى هينيلء وجاء في تقرير المبعوث إلى "هينيل" بأنه متأكد مما سمع وشاهدء بأن حاكم نجد ليس في وضع يسمح له بالقيام بعمليات عسكرية خارج الاحساء. ولكن الشكوك في صدق نواياه والقيام بعمل عسكري ضد ساحل عمان والبريمي ظلت قائمة لدى بريطانية طوال فترة حكمه؟.
اعا غان )لوج الفخري فو عا قان
برغم أن مجيء المصريين إلى الجزيرة العربية بعامة وتوجههم نحو ساحل عمان بخاصة» لم يشكل تهديدا كبيرا لبريطانية في الفترة 1839- 0 إذا ما قورن بهجوم شاه إيران على "هراة" في أفغانستان» وبرغم الحكم المصزي الذي كان مزعجا لبريطانيةء وقلة القوات المصرية المتواضعة حيث لم تزد عن أربعة آلاف مقاتل مع بعض الجنود من البدو غير النظاميين» إلا أن عزيمة خورشيد باشا وصلابته» جعلته يشكل تهديد! حقيقيا للنفوذ البريطاني ليس في ساحل عمان وإنما في عمان نفسها وكذلك عدن. استطاع خورشيد باشا إقامة قواعد قيادية في مناطق متعددة من الجزيرة العربية من غربها إلى شرقهاء برغم إمكاناته المتواضعة. ولكن انتصاراته وشجاعته كانت مضرب الأمثال وأكسبته سمعة كبيرة تغنت بها القبائل العربية» إضافة إلى اختياره قادة صنعوا له تلك السمعة. فالقائد سعد المطيري والذي قام بحملات ناجحة ومتتالية على ساحل عمان والبريمي وحكمها قبل مجيء القوات المصرية إلى نجد» كلن له دور کبیر في التخوف البريطاني من امتداد الحكم المصري إلى النفوذ البريطاني في ساحل عمان وعمان(.
-76-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997,
لكنذا نريد أن نتساعل لماذا كان التوّجه المصري نحو ساحل عمان؟ فهل كان هدا التوّجه ضمن خطط محمد علي كجزء من سياسته نحو شرق الجزيرة العربية والعراقء أم كان وليد الظروف التي واجهت خورشيد باشا في شرق الجزيرة العربية.
فمثلاً يقول المؤرخ البريطاني جون كيلي: بأن الأزمة التي كان يعاني منها خورشيد باشا في ذلك الوقت» لم تكن تسمح له بالبقاء في نجد دون القيام باي عمل إجراءات› فاذا لم يجد منفذا لتوجيه طاقاته إلى الععراق فلا بد أن يوجهها إلى ساحل عمان وعمان(91).
لا نتفق مع آراء البريطانيين بأن سبب التوجه المصري إلى ساحل عمان كان للأزمة التي يعاني منها خورشيد باشا. فلو كان فعلا يعاني من تلك الأزمة دون موافقة قبائلها أو إذا لم يلق تجاوباء فلماذا كان يقدم على مغامرة في ساحل عمان قد تفشل وتكون عواقبها كبيرة.
يمكننا القول بأنه رغم عدم توفير الإمدادات العسكرية والاقتصادية اللازمة للقوات المصريةء وعدم استجابة الحكومة المصرية لمطالب خورشيد باشا المتزايدة: كسفن لنقل المؤن والعتاد بشكل يتناسب مع خططه في المنطقة» فإنه توجه إلى ساحل عمان» ليكمل المشروع القومي الوحدوي الذي بدأ في تخطيطه محمد علي. ولذلك طلب خورشید باشا من شيوخ قبائل ساحل عمان الانضمام إلى الدولة العربية الجديدة» وقام بالاتصال ببعض القوى البحرية في المنطقة لتساعده على سذ هذا النقص وتزويده بالسفن اللازمة. ونجح إلى حد ما في ذلك» بينما انزعجت السلطات البريطانية من استخدامه بعض السفن المحلية لنقل الأسلحة والمؤن» أي أنه نجح لحل هذه الأزمة إلى حد ما. قد يكون التوجه المصري نحو ساحل عمان مبادرة شخصية من قبل خورشيد باشاء وليس بناء على خطة مرسومة وضعتها الحكومة المصرية ضمن إطار سياسي وعسكري متكامل. ويتضح ذلك من خلال تصرفات خورشيد باشا تجاه ساحل عمان
77
ساحل عمان 1840-1839.
والبريمي دون الرجوع إلى حكومته في القاهرة. يدل على ذلك الرسائل الموجهة من سلطان عمان إلى محمد علي والذي يشكو فيها تدخل قادته في شؤونه الداخليةء مما حدا بمحمد علي أن يطلب من قادته في نجد التوقف عن تدخلهم. وكان سلطان عمان يرتبط بعلاقات جيدة ويتعاطف مع السياسة المصرية وطموحات محمد علي» إضافة إلى ذلك تعهدات محمد علي المتكورة بعدم المساس بالنفوذ البريطاني في ساحل عمان» والتذكير البريطاني الدائم لمحمد علي بتعهداته السابقة. مع ذلك» فإن توجّه خورشيد باشانحو ساحل عمان لم يكن يتعارض مع فكرة الوجود المصري في شرق الجزيرة العربيةء بما فيها ساحل عمان وعمان !ا ى الحكومة المصرية. فقد جاء في خطاب خورشيد باشا إلى المسؤولين في القاهرة”: 'ولما كان إدخال هذه الجهات في حوزة الحكومة من شأنه رواج المصلحة»ء فقد عقدنا العزم على أن نقوم بإعداد بعض الجنود بعد عودة المندوب إلى شيوخ تلك الجهات قبل فوات الشتاء لأن الطريق يخلو من الماء".
وجدت هذه الفكرة ترحيبا من الحكومة المصريةء لأنه يتماشى مع مشروع الدولة العربية الذي يطمح إلى تحقيقه محمد علي باتخاذ المناطق العربية المجاورة مجالا له.
فقد كان 'بالمرستون"» وزير الخارجية البريطانية يعتقد أيضا بأن محمد علي له أطماع واسعة في بناء دولة عربية تضم كل البلاد التي تتكلم العربية» وإن الاستيلاء على سورية والحجاز واليمن والسودان جعله في موقف قد يسمح له بتنفيذ هذا المشروع الضخم؛ وبقيت فقط العراق وساحل عمان وعمان كي يمكنه أن يحقق مثل هذه الدولة القومية. فلو نظرنا إلى النجاح الذي حققه محمد علي في تلك المناطق»ء وهي جميعها بلاد عربيةء فلم يبق سوى العراق وسلحل عمان وعمان» فلماذا لا يكمل هذه الحلقة ويضمها إلى الدولة العربية. وبرغم قلة الموارد الاقتصادية في شرق الجزيرة العربيةء إلا أنها كانت لها مزايا
-78-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997,. د. العيد
هامة: فالعراق جسر العربي إلى أواسط آسيةء والاستيلاء على جنوب الجزيرة العربية وساحل عمان وعمان وحضرموت وعدن» يجعله سيدا على مضيق هرمز وباب المندب. وبالتالي يتحكم في الخليج العربي والبحر الأحمر» وهمها شريان الحياة التجارية للمواصلات البحرية بين الشرق والغرب. ومن الطبيعي أن يزيد هذا التوسع والمساحة الكبيرة من وزنه السياسي ونفوذه الدولي ويجعله يساهم مع بريطانية في أمور العلاقات الاقتصادية والدولية وخاصة في الشرق کالهند.
تقييه الټوجة المصري نحو ساحل حمان:
الواقع أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى عدم نجاح التوجَّه المصري نحو ساحل عمان ومن أبرزها:
أول: التوقيت كان متأخراً:
بينما كان من المتوقع أن تحرز السياسة المصرية تجاه ساحل عمان نجاحا في تحقيق أهدافهاء إلا أن التوقيت جاء متأخرا لتنفيذه» وخاصة إذ كسان مشروع الدولة العربية كان مهددا بمقاومة بريطانيةء التي كان عليها أن تتصدى للتوجه المصري نحو ساحل عمان لتهديده الملاحة البحرية والتجارية. وبالتالي أاخذت تثير المتاعب أمام المصريين» وذلك بتحريض شيوخ قبائل ساحل عمان واستمالتهم بالهدايا والأموال. ولا ننسى الموقف الدولي الذي أخذ يحتدم ضد مصر» بسبب تاأليب بريطانية الدول الكبرى لمقاومة ظهور قوة محمد علي بعد أن تعاظمت واقترب من الاستانة وسيطر على معظم المشرق العربي. بذالك جاعت النتائج غير متوقعةء مما شغل محمد علي عن تقديم مساعداته لقسائده خورشيد باشاء وعدم إعطائه الأوامر للتحرك لمواصلة نشاطه في ساحل عمان» بل اضطر في عام 1840ء أن يصدر أوامره إلى خورشيد باشا بالانسحاب من المنطقة.
س0
ساحل عمان 1840-1839.
ثانيا: عودة سعد المطيري من ساحل عمان:
كانت عودة سعد المطيري دون إذن من خورشيد باشاء من عوامل عدم النجاح. فلو صمد وتحرك برغم الضغوط البريطانيةء لكان قد حقق بعمض النجاح» علما بان معظم المصادر وخاصة البريطانية تلقي اللوم على خورشيد باشا لعدم اختياره الموفق لسعد المطيري» نظراً لسمعته السيئة في ساحل عمان» وسلوكه في عهد تركي بن سعود مع البوشامس والنعيم في البريميء مما أوجد نوعين من الكراهيةء التي أخذت تتزايد. ويقول كيلي: "لم يكن سعد المطسيري أكثر نجاحا في إدارة القبائل في منطقة البريمي» فلقد كانت معاملته المتعجرفة لشيوخ القبائل ومطالبه الابتزازية المتصاعدة بدفع الزكاة» سببا في تحرج موقفه في البريمي في غضون السنتين التاليتين ونبذه القواسم حلفاء السعوديين ورفض حاكم عمان موافاته بالجزية التي كان يدفعها في السابق إلى الرياض» وذلك قبل عودته إلى نجد بعد سقوطها في أيدي المصريين).
لكئنا نرى أن سعد المطيري قد DE Ss فيو انتصارات كبيرة» إلى درجة كانت معظم قبائل ساحل عمان تستجيب e سماع اسمه» علما بأنه استطاع بعد انسحاب المصريين من 1 العربية العودة من جديد إلى ساحل عمان» وأخضع ليس فقط البريمي وإنمامناطق داخلية من عمان نفسها. لذا يمكن القول بأن اختيار خورشيد باشا لسعد المطيري كان موفقا لمعرفته وصلته بالمنطقة وحكامهاء وكان دوره القيام بتمهيد الطريق للتوجه المصري إلى ساحل عمان في أسرع وقت» ولكن عودته من ساحل عمان دون إذن من قيادته في نجدء كان السبب في عدم نجاح التوجه.
ثالثا: التحرك البريطاني في ساحل عمان:
التحرك السريع لبريطانية من خلال قيام المسؤولين بالاتصال بشيوخ قبائل ساحل عمان»› لتحذير هم من الاتصال بالمصريين؛ وعرضهم الحماية إزاء
-80-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. ع العيد
الأخطار وتوزيع الهدايا وتقديم الأسلحة وتأليب القبائلء وإيجاد تحالف فيما بينهم
مارست بريطانية الضغط المستمر والمتزايد على السلطات المصرية والذي أسفر عن عدم تلبيتها لرغبة خورشيد باشا في الحصول على السفن المصرية؛ لنقل الجنود والمؤن والمعدات» لتسهيل مهمته في المنطقةء وقيام بريطانية بالضغط على شيوخ قبائل المنطقة لمنعهم من تقديم سفنهم للمصريين مما حال دون تمكن خورشيد باشا من نشر نفوذ محمد علي في تلك الجهات.
قاج الأانسعاءج العسري:
نتساعءل عن النتائج التي أسفرت عنه توقف التوجه المصري نحو ساحل عمان وسحب القوات المصرية من الجزيرة العربيةء مما أذى إلى بروز عدة ظواهر ومنها:
أولإً: تعاطف عرب ساحل عمان مع مصر:
مما يسترعي الانتباه أن التوجه المصري نحو ساحل عمان أظهر تعاطفل من سكان وشيوخ القبائل تجاه المصريين» ويرجَح محاولة تخلص حكامها مهن النفوذ البريطاني وآثاره» ولا سيما أن وصول قوات عربية من مصر جعل التعامل مباشرة مع دولة قوية تريد إنقاذ أخوتها من التسلط الاستعماري البريطاني.
ثانياً: د النفو ذ اليربطاني بشكل أ
استغلت بريطانية فرصة الفراغ الأمني الناجم عن خروج المصريين من المنطقة وعجز العثمائيين عن ملء هذا الفراغ لكي تزيد بريطانية من تدخلها في شؤون قبائل ساحل عمان. ومن ثم عملت على إحكام سيطرتها عليها. لسم
ات
ساحل عمان 1840-1839.
تصل إلى توطيد هذا النفوذ إلا بعد أن نبهها التقدم المصري إلى خطورة الاوضاع على أحد أهم المنافذ إلى الهندء وإلى ضرورة السيطرة المباشرة على ساحل عمان. فأبرمت الاتفاقيات العديدة ومنها الاتفاقية المانعة» حتسى إذا ما أشرف القرن الماضي على نهايته امثد نفوذها وأصبح الخليج العربية بحيرة بريطانية.
ثالثا: عدم حدوث أي تغيير:
لم يؤد التوجه المصري إلى ساحل عمان إلى أي تغير أو تحخول» سواء في الأوضاع السياسية أو الإدارية؛ فكان مثل الحكم العثماني سطحياً. فالحكم المصري لم يغير شيئًا من الحياة العربية ولا مهد السبيل لبناء جديد أو التحديث؛ وقد يرجع ذلك إلى قصر المدة الزمنية وانشغال المصريين بالصراع مع القوى الأجنبية.
ابعاً: زوال بقايا الحكم |
اهتزٌ الحكم الذي أقامه المصريون في نجد» والمتمثل في خالد بن سعودء مما عرضه للانهيار وإفساح المجال ثانية لعودة فيصل بن تركي» مما أتاح الفرصة للنفوذ العثماني للعودة من جديد» وخاصة بعد وفاته والخلاف الذي نشب بين أولاده مما أذى إلى إقامة وجود عثماني مباشر بعد حملة مدحت باشاء الذي أصبح يهدد النفوذ البريطاني في ساحل عمان» حتى الاتفاقية الانجلو- عثمانية لعام 1913ء لتقسيم النفوذ بينهما في الجزيرة العربية.
الخاټهة:
أختم هذه الدراسة بالقول أن الاستعمار الأوروبي وخاصة البريطاني والفرنسي» كان منذ القرن التاسع عشر يعارض أي توجه وحدوي للعرب في المشرق أو المغرب. وقد اقتسمت كل من بريطانية وفرنسة هذا الدور. حيث
-82-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997,. د. محمد ي العيد
الأولى في المشرق والثانية في المغرب» واستطاعت لأكثر من قرن عزلهما عن بعضهماء إلى درجة أن المشرق والمغرب لا يزالان يعانيان من تلك العزلة ولا يستطيعان الخروج منهاء بسبب القيود في الأنظمة السياسية والاقتصادية التي فرضها الاستعمارء إضافة إلى روح الأنانية والإقليمية ية الذي يغذيها مسن حين إلى آخر. من هذا المنطلق» فإن التوجه المصري لم يكن ساحل عمان فقط وإنما كان يشمل الجزيرة العربية والعراق والشام. ولولا معارضة بريطانية التي تزعمت التحالف الدولي في تلك الفترةء والذي أذى إلى هزيمة الجيش المصري والانسحاب من تلك المناطق» لقامت أول دولة عربية موحّدة في العصر الحديث. استمرت بريطانية تعارض بشكل مستمر منذ تلك الفترة وحتى ثورة الشريف حسين» الذي طالب بقيام دولة عربية موحدة ووصولا إلى يومنا الحاضر. )
الاختلاف الذي حدث» هو سقوط الدور البريطاني المعارض وتسلليمه إلى الولايات المتحدة» التي ورثت تركة بريطانية الاستعماريةء وتمنع حاليا بكل الأساليب قيام وحدة عربية. بل على العكس من ذلك تشجع على الانشقاق والخلافات بين الأخوة الأشقاء وتعمل على عدم إرساء قواعد الديمقراطية»› وخاصة اختيار مجالس النواب أو البرلمان بشكل حر بما في ذلك الأحزاب الإسلاميةء وهو الكفيل بتحقيق الوحدة العربيةء لأن الوحدة وحدة الشعوب وليس وحدة الأنظمة.
والله ولي التوفيق
~83
1- دار الوثائق القومية-القاهرة-وثائق عابدين- مكاتبة من إيراهيم باشا إلى والده محمد علي باشا-9 رمضان 3ھه.
2- د. صلاح العقاد الحملة المصرية في شبه جزيرة العرب 1811- 8-مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية-العدد السادس-السنة الثانية- إبريل 1976 ص119-107.
3- دار الوثائق القومية-القاهرة-وثائق عابدين-من خورشيد باشا إلى صاحب الدولة-الوثيقة الرسمية-(66)-حمراء (50) أصلية تاريخ 23 رجب 4ھ .
4- Donnald Hawely-Traucial States-p.15 عبد الرحمن الرافعي- عصر محمد علي- ص123. -5 د. جاد طه- سياسة بريطانية في جنوب الجزيرة العربية -ص62. -6 7- Dickson (H. R. P.): Kuwait and her neighbours- p.128 د. جاد طه-المرجع السابق. ص62. -8
9- Correspondence of the Persian Gulf- Vol. (64-109) of 1839- PART VI, CHAP. XLIV. 369
10- Expedition to Gulf of Persia. 139-42
1- د. جمال زكريا قاسم - تاريخ إمارات الخليج العربي-عصر التوسع الأوروبي الأول ص 463.
-84-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997,. د. العيد
12- جون. بي. كيلي - بريطانية والخليج- ص409-الجزء الأول.
13- Grover, B. L. & R. R. Sethi- Studies in modern indian history- pp. 342-345.
14- د. جاد الله-المرجع السابق ص65. Egyptian Conquest of Nejd. pp. 201-203. -15
16- Selections from the records of Bombay Government Vol. XXIV historical sketch about wahabees- p.437-438.
17- Selections from the records of Bombay Government. Vol.IV- historical sketch about wahabees-p.437-438.
8“ د. جاد طه-المرجع السابق -ص62. 19- جون. بي-كيلي الم ر جع السابق ص551
20- 1. O. L. Correspondence of the Persian Gulf- c.248 cC. sldanha Vol. 65-1061 of 1839 part VI. No. 42 from Major Hennel to Bombay gov. dated 7 may 1839.
21- 1. O. L. Ibid. historical sketch about "wahabees” p.447 22- Dickson, H. R. P.- OP. Cit, P.128
23- 1. O. L. Egyptian conquest of Najd. C248. C., Part VI chap XLIV p.368
4“ ج. ج. لوريمر - دليل الخليج-ص1068 الجزء الثاني
25- Donald Hawley -Trucial States- p.148
-85-
ساحل عمان 1840-1839.
6- ج. ج. لوريمر ليل الخليج- ص1068-الجزء الثاني.
7- دار الوثائق القومية-القاهر ة-محفظة (270) عابدين- رقمهما في وحدة الحفظ 194- حمراء-تاريخها 12 جمادى الآخرة 1255 هم-23 اغسطس 9-رسالة خورشید باشا عن الوضع في منطقة الخليسج العربي وساحل عمان.
28- IO.L. Correspondence of the Persian Gulf. From colonel Capbell the British Counsul at Cairo to Lord Palmerston, despatch No. 54 of the year 1838, Vol. 64-1060 of 1839, Part VI, Cahp. XLIV. P.369.
9“ د. جمال زکریا قاسہ- المرجع السابق ص454. IO.L. Egyptian Coquest of Nejd. Op. Cit. P.201. -30
1- د. جمال زكريا قاسم-دراسة مسحية عن دولة الإمارات العربية المتحدة ص36.
2- دار الوثائق القومية-القاهرة-وثائق عابدين-الوثيقة رقم 270-صفحة 3- جون. بي. كيلي-الم ر جع السابق -ص545.
4- فالح حنظل-المفصل في تاريخ الإمارات العربية-ج1-ص506.
5- فالح حنظل-نفس المرجع”ص506.
36- I.O.L. Correspondence of the Persian Gulf from Bombay Government to the political resident in the persian gulf, 1%. april 1839, Vol. 64 of 1839, par VI chap. XLIV. P.378.
-86-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997,. د. محمد العيدر
7 - د. جمال زكريا قاسم - الخليج العربي» دراسة لتاريخ الإمارات العربية قي عصر التوسع الأوروبي الأول -ص455.
8 - فالح حنظل-المرجع السابق -ص507.
39- 1I.O.L. Op. Cit. Captain Hennell's report about visit to Bahrein and the serveral parts on the pirate coast in June 1839, Hc.
Steamer Hugh lindsay of Rasel- Khymah, 4", July 1839-Saldanha C. 248C, Vol. 65-1061 of 1839, part VI Chap. XLIV, p.488-No. 6
40- 1.O0.L. Op. Cit. Captain Hennell’s report. No. 9. فالح حنظل» المرجع السابق -ص507. -1[
1.0.L. Op. Cit. Captain Hennell’s report. No. 6. -42 43- فالح حنظل -المرجع السابق- ص507 44- فالح حنظل-المرجع السابق ص508
1.0.L. Op. Cit. Captain Hennell’s report. No. 6. -45 6- د. جمال زكريا قاسم -المرجع السابق ص474. 47- فالح حنظل -المر جع السابق -ص508. 8“ دار الوثائق القومية-القاهرة-محفظة (267)-وثائق عابدين من قبطان
هينيل باليوز خليج (فارس) إلى خورشيد باشا عسكر نجد في 17 جمادى الثانية 5 ه.
9- دار الو ثائق القومية-القاهر ة-محفظة (270)-و ثائق عابدين رقمها في وحدة الحفظ 4 حمراء-صورة المرفق العربي (3) للوثيقة العرربيية
-87-
ساحل عمان 1840-1839.
1839/8/28 من المقيم السياسي البريطاني هينيل إلى الشيخ سلطان بن صقر
القاسمي. 50- دار الوثائق القومية-القاهرة-محفظة (270) وثشائق عابدين-نفس فرج
51- دار الوثائق القومية-القاهرة-محفظة (270) وثائق عابدين-وحدة الحفظ-194 حمراء- صورة المرافق العربي (4) للوثيقة العربية رقم (164) حمراء رسالة من الشيخ سلطان بن صقر إلى الأمير سعد بن مطلق.
2- دار الوثائق القومية-القاهرة-نفس المرجع.
53- LO.L. Op. Cit. Bombay Government pp.332-42 94- 1.0.L. Op. Cit. Ibid. p.332-42
55- 1.O.L. Op. Cit. Captain Hennell’s report about his visit to Bahrein and the several parts on the pirate cost in June 1839. No. 6-11.
6- دار الوثائق القومية-القاهر ة-محفظة (270) عابدين-وحدة الحفظ-194 حمراء”صورة المرفق العربي (1)-الوثيقة العربية رقم 194- من سعد ين مطلق إلى خورشيد باشا.
7- دار الوثائق القومية-القاهر ة-نفس المرجع.
8- دار الوثائق القومية- القاهرة-محفظة (270)-عابدين- رقمها في وحدة الحفظ 194 حمراء تاريخها 12 جمادى الآخرة 1255 ه الموافق 23 أغسطس 9 رسالة من خورشيد باشا إلى باشمعان.
59- دار الوثائق القومية-القاهر ة-نفس المرجع.
-88§-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997, : الع
60- دار الوثائق القومية-القاهرة محفظة (270) عابدين-وحدة الحف ظ- 4-صورة المر فق العربي 1839/8/28-رسالة من هينيل المقيم السياسي البريطاني إلى خورشيد باشا-نجد. ) 61- دار الوثائق القومية-القاهر ة-محفظة (270)-نفس المرجع. 62- ج.ج. لوديمر -المرجع السابق -ص1071.
فالح حنظل المرجع السابق ص508. 1I.0.L. Op. Cit. From Maddock A. F. Secretary to -64
Government of India to Willoughby Secretary of the 60V. of Bombay simla, the 12". Aug. 1839.
65- دار الوثائق القومية- القاهرة- محفظة (270) عابدين رقمها في وحدة الحفظ-194-حمراء تاريخها 12 جمادى الآخرة 5 ه-_ الموافق 23 66- دار الوثائق القومية-القاهر ة-نفس المرجع 67- دار الوثائة ثق القومية-القاهرة-محفظة )266( عابدین ”صورة المرففق العربي رقم 1ح حمر اء 43 أصلية بدون تاریخ.
68- 1I.0.L. Op. Cit. From major Hennell to Bombay Governement dated 7®. May 1839, letter No. 42. Vol. 65-1061, of 1839, part VI. Chap. XLIV. P377.
69- 1.0.L. Op. Cit. Bombay Government p.332-45
70- 1I.O.L. Op. Cit. Saldanha, Vol. 64-1060 of 1839, part VI. Chap. XLIV. Pp.375.
-89-
ساحل عمان 1840-1839.
71- IO.L. Op. Cit. Captain Hennell’s report. About his visit to Bahrein Hc. Steamer hagh lindsay of rasel-Khamah 4%. July 1839- C. 248C. Vol. 65-1061 of 1839-part VI. Chap. XLIV. P.488
72- جون. بي. كيلي- المرجع السابق ص566 1.O.L Major Hennell. Tid 488. -73
4- جون. بي. كيلي-المرجع السابق ص566.
5- ج.ج. لوريمر -دليل الخليج- ص1071-الجزء الثاني.
6- جون. بي. كيلي-المرجع السابق -ص566.
7- جون. بي. كيلي-نفس المرجع-ص551.
8- نض المرجع ص569.
9- نفس المرجع ص571.
80- نس المرجع ص584.
1- دار الوثائق القومية-القاهرة-محفظة(267)-وثائق عابدين -رسالة مسن القبطان هينيل إلى خورشيد باشا عسكر نجد المؤرخ 7 جمادى الآخرة 5ھ.
82- IO.L. Op. Cit. Pp.332-42 83- I.O.L. Op. Cit. Ibid-pp.332-42 84-. Ibid )
85- Tbid
-90-
86- د. جمال زكريا قاسم دولة الإمارات العربية-دراسة مسحية- ص 36. 7- ج.ج. لوريمر -المرجع السابق -ص1072.
85“ ج. ج. لوريمر -نفس المرجع-ص1072.
89- أحمد طربين-تاريخ المشرق المعاصر ”ص 141.
90- أحمد طربين-نفس المرجع-ص141.
1- جون. بي. کيلي-المرجع السابق -حص560.
92- دار الوثائق القومية-القاهرة-محفظة (264) رقم 58 أصلية حمراء (58) أصلية بتاريخ 4 شوال 1254 ه الموافق 20 ديسمبر 1838.
-91-
نیسان-1997, : د عا
محله دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-
الإوضاع العامة للقدس
ف ظطل الإا دارة العثمانية د. محمود عامر جامعة دمشق-قسم التاريخ
نتناول في هذه الدراسة أوضاع القدس في ظل الإدارة العثمانية من الناحية الإدارية والاجتماعية والاقتصادية» من أجل دراسة إدارتها وكيفية معاملتهاء وعلى الرغم من المكانة الدينية التي تحظى بهاء ومحاولة العثمانيين الاهتمام به وإدارتها إدارة مميزة. ومما يذكر أن العثمانيين لم يسعوا إلى جعل فلسطين ولاية ممتازةء كما أنهم لم يمنحوها كبقعة جغرافية صفة إدارة خاصة بهاء كما فعلوا في بعض المناطق العربيةء التي خضعت لنفوذهم بل قسموها إلى أقضية وألوية ملحقة بولايات بلاد الشام أو بيروت. وقد جعلت القدس ولاية ممتازة في عام 1873م؛ حیث ربطت باستنبول. وكانت القدس قد شهدت مندذد النصف الأول من القرن التاسع عشر تغيراً إدارياء فقد أأحقت بصيدا ثم ألحقت بو لاية الشام"ء ولم نعثر في دور البحوث التركية على ما يدل على اتباع العثمانيين لمنهج إداري ثابت فيما يتعلق بفلسطين ومدنها. فلقد جعلت غزة ولاية مستقلة في لربع الأول من القرن السابع عشرء ثم الحقت فيما بعد بالقدس التي كانت ولاية ممتازة» وفي منتصف القرن الثامن عشر صدر فرمهان سلطاني يقضي بإعادتها إلى ولاية القدس باسم 'قائمقامية غزة' وفي أحيان كثيرة ربطت بالشام لفترات قصيرة أو بمتصرفية القدس أحيانا أخرى»ء كما جعلت صيدا ولاية منفصلة وألحقت بها بعض المدنء وجعلت عكا صنجقا وربطت بها حيفا وطبرية والناصرة» أما القدس فقد دأب العثمانيون على الاحتفاظ بها كمتصرفية والحقت بها يافا وغزة وخليل الرحمن.
-95-
وبحننا يتناول القدس كمتصرفية ممتازة منذ خضوعها للسيطرة العثمانية سنة 1517م؛ مع دراسة التطورات التي شهدتها خلال السيطرة العثمانيةء ولإ سيما في القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين»ء ومعتمدين بصورة أساسية وكلية على دفاتر. المهمة والوثائق والسالنامات. ولعل من نافلة القول التنويه بأهمية القدس ومكانتها الدينيةء حيث لم تحظ أي مدينة في العالم كما حظيت القدس من اهتمام» وفي الوقت نفسه فقد شهدت تنافسا وصراعا تميزت به عن غيرها من مدن العالم. والجدير بالذكر» أن العثمانيين نظروا إليها من الناحية الدينية فقطء متجاهلين موقعها الجغرافي وأهميتها الاستراتيجيةء كما أنهم لم يدركوا مضمون التنافس الدولي المتزايد عليهاء ولا سيما في القرنين الشامن عشر والتاسع عشر؛ وعدوا الامتيازات التي منحوها للقوى الأوروبية حيال القدس نوعاً من التسهيل التجاري لإقامة علاقات ودية مع بعض القوى الأوروبية ضد قوى أوروبية أخرى؛ وتجاهلهم التطورات الدولية والمستجدات التي أفرزتها المتغيرات الرئيسية للعصور التاريخيةء انعكس سلبا على الققدس خاصة والبلاد العربية عامةء وتحملت القدس عبء الامتيازات وما نتج عنه.
خضعت فلسطين للسيطرة العثمانية بعد احتلال السلطان سلليم الأول لمدينة دمشق في الثلاڻين من تشرين الثاني سنة 1516م والقدس بموقعها الجغرافي كانت بوابة للسيطرة على فلسطين. فنجاح الحملات العسكرية في السيطرة على القدس» يؤدي إلى سقوط كامل المدن الفلسطينية بأيدي الغزاة.
وإذا كان السلطان سليم الأول قد أحدث تغييرا في بعض النظم المملوكية المطبقة في سورية ومصرء؛ فإن إصلاحاته الإدارية لم تلامس فلسطين كبقعة جغرافية. واقتصرت إصلاحاته في القدس على توسيع نظام الغلة فيهاء حي رث أصبح بطريرك القسطنطينية مسؤولا عن الأرثونذكس في آسية الصغرى واليونان وبلاد الشاءء وبتولي ابنه سليمان القانوني عرش السلطنة» من البطريرك أحقية الإشراف التام وأحقية ترميم كنيسة القيامة. وللت أكيد على
e -96-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيساأن-1997. د. دعا
سلامة القدس الدينية» أصدر السلطان سليمان القانوني سنة 1537م فرماناً يقضي بمنع الإنكشارية من الدخول إلى القدس وأوكل مسألة الأمن وضبطه إلى مفرزة الضبطية التي تم اختيارها من عناصر إنكشارية متميزة حتى سنة 0م وقد عهد إلى مفتي الإسلام بانتقائها. واستمر الأمر حتى تولي السلطان مراد الثالث (1594-1574)» حيث أجاز للإنكشارية المشاركة في حراسة القدس. وفي سنة 1531م أمر السلطان سليمان بتجديد القلعة وترميمهاء حيث غدت مقرا لمتصرف القدس مع جنده» كما أنشأ برجا في الجهة اليمنى من باب الخليل. وفي سنة 1536م أمر ببناء سور يحيط بالقدس طول محيطه /4/كم واستمر بناؤه خمس سنوات وله سبعة أبواب وثلاثة أبراج للحراسةء وبلغفت تكاليفه 300000 أقجة ذهبيةء كما أقام سبعة سبل للمياه وأقام ثكنة للجند خارج السور. وكلف 150 جنديا وعهد إلى ضيا بك بقيادتها وحراسة المدينة ومنع العربان من مهاجمة المدينة وكرومها ومراقبة الطرق المؤدية إليهاء كما كلف ستين متصوفا بخدمة قبة الصخرة بعدما أمر بتجديدها وإحضار الكساء لها من الحرير الهندي الأخضر مع مئة وخمسين مترا من السجاد العجميء وأعفى سكانها من الضرائب لمدة ثلاث سنوات» كما أمر ببناء مسجد سنة 7م مكان كنيسة الصعود» وعهد إلى آل أبي غوش بحراسة اللدرب السلطاني ما بين القدس ويافا وسمح لهم بأخذ الضريبة من الزوار والعوائد مسن العربان الراغبين بزيارة القدس أو بيع منتجاتهم فيها» وأمر بصك النقود باسمه. أما مسالة فض المنازعات داخل المدينةء فقد عهد إلى القاضي بحلّها يساعده مفتي حنفي› وأمر بتشكيل محكمة مؤلفة من المتصرف والقاضي الحنفي والمفتي ونقيب الإشراف وإمام مسجد الأقصى وراهب كنيسة القيامسة؛ء يترأسها القاضي الذي تمتع بصلاحيات واسعةء مهمتها فض المنازعات بين الطوائف. وعهد إلى المحتسب بمراقبة الأسواق وتحديد الأسعار ومعاقبة التجار
الذين يتلاعبون بالأسعار أو يعمدون إلى خلط المواد وغشها'.
-97-
ولم يسمح لأي شخص ممارسة الحمالة ما لم يحصل على إذن مسبق من القاضي» كما كلفت مفرزة من 'سرحاقولو" (حرس الحدود) بحراسة السور والإشراف عليهء وقد أقيم لها بناء خاص في وسط الأحياء القديمة وعين ثلاثفة من قادة الليونء يشرف الأول على المناطق الإسلامية والثاني على المناطق المسيحية والثالث على الأماكن المقدسة والترب» ووضع تحت إمرة كل منهم مجموعة تتراوح بين 15-13 شخصا. وخصص لنظافة المدينة قائدا يسمى 'قائد الزمبيل' يعاونه عدد من الموظفين للإشراف على نظافة المدينة. أما الفاحص فمهمته تسليم الخارج على القانون ومثيري الشغب والهاربين من الخدمة العسكرية والمتهربين من دفع الضريبة أو البدل العسكري إلى القاضي» ليقدموا بعدها إلى محكمة المتصرفية. وللفاحص حق طلب النجدة من القوات النظامية العاملة داخل السور أو من قائد الإنكشارية المتمركزة خارج السور» وخصشص للقائد الفاحص مفرزة من المدنيين يتراوح عددها بين 50-30 شخصا وكلهم من أبناء المدينة أو الأقضية المجاورة» وقد رفض الأتراك العمل في هذه المهممةء لأنها بنظرهم ليست من الأعمال الشريفة". ولم تعرف مدينة الققدس نظام البلديات حتى سنة 1863م» حيث شكلت هيئة محلية صغيرة وذات صلاحية محدودة» ووارداتها ضئيلة لم تزد عن 500 ليرة عثمانية في السنة. وفي سنة 5م أقرت الدولة العثمانية قانون انتخاب البلديات. وكان متصرف القدس مخولا بتعيين رئيس البلديةء ويعد عبد الرحمن الدجاني أول من تولاها ومن شم تولاها أفراد عائلة الحسيني والعلمي بالتناوب حتى سنة 1890.(.
وبعد إعلان الدستور سنة 1908م» بلغت ميزانية بلدية القدس عشرة آلاف ليرة. وكانت بلدية القدس تجمع وارداتها من الضرائب ورخص البناء والخدمات العامة ء ولم تكن الأبنية التي تبنى خارج السور خاضعة لهاء ولهذا امتد البناء بشكل واسع وعشوائي. وفي سنة 1863م شملت صلاحيتها الأبنيية داخل السور وخارجه.
-98-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. د عا
التنظيم الإداري لمدينة القدس:
لم يعمد العثمانيون إلى جعل فلسطين ولاية كغيرها من الولايات العربية الأخرى» بل قسموها إلى ألوية مستقلة أو ملحقة ببيروت» في حين جعلوا القدس عا م 2 ں صرد نجقا سجنقا" xi تقلا وألحقوا به أربعة اق ية هي :
1 -قضاء القدس : ويضمح مدينة القدس ونتبعه أربع نواح و126 قرية.
2-قضاء يافا: ويشمل مدينة يافا ويتبعه ثلاث نواح و51 قرية.
3-قضاء الخليل: ويشمل مدينة الخليل ويتبعه ناحيتان و52 قرية.
4-قضاء غزة: ويشمل مدينة غزة ويتبعه ثلاث نواح و57 قرية'.
وقد عين متصرف برتبة بك» يساعده نائب برتبة بكباشي وقاض حنفي ومفت ونقيب الأشراف» ويكون هؤلاء مجلس المتصرفية. كماحَول قاد الإنكشارية المتمركزة خارج السور حضور الاجتماع بوصفه القائد الشرفي لقوات الضبطيةء وبما أن النزاعات الطائفية والاضطرابات كثيرة» فقد تمتسع قائد القوات الإنكشارية بمكانة بارزة لدى مجلس المتصرفيةء ولا سيما لدى إمام مسجد قبة الصخرة وراهب كنيسة القيامة. وفي مطلع القرن الثامن عشر أنيطت مسألة حفظ الأمن داخل السور بالقوات الإنكشارية. وفي سنة 1641م سمح للشبان المسيحيين الانخراط في صفوف الضابطيةء أسوة بالشبان المسلمين› الذين شكلوا الغالبية العظمى» كما أن انتقال البطريرك من القس_طنطينية إلى القدس منح الحجاج الأوروبيين وجالياتهم فرصة مراجعته متذرعين بتعرضهم لمضايقات عديدة. كذلك فإن وجود الأسر العريقة في القدس منح المدينة ديمقراطية افتقرت إليها سائر البلدان. أما بقية الأقضية مثل غزة ويافا والخليسل فقد لفت الإنكشارية بالمحافظة على الأمن فيهاء وعين على كل قضاء قائمقام يساعده قاض ومفت'. وبما أن غزة كانت تتسبب في إثارة الاضطرابات
-99-
وتقلق الإنكشارية فقد فصلت عن متصرفية القدس» وألحقت لفترة قصيرة بالشام وتارة أخرى بصيداء ولا نملك معلومات دقيقة عن سنوات فصلها. فتاريخ نعيما يفيد أنها ألحقت بولاية مصر ما بين سنتي 1675-1640م وما بين سنتي 1775-0م"» أما يافا والخليل فقد ظلتا مرتبطتين بمتصرفية القدس. وفي سنة 1671 جعل بئر السبع قضاء وربط بالقدس وربطت به قبائل عزازمه وجبارات وترابين وحناجرة. وعين أصف بك قامقاما عليه» ومحمد سعيد أفندي نائبا له» وكلفت مفرزة من الإنكشارية بضبط الأمن فيه» كما جعلت الناصرة قضاء وألحقت بالقدس. وعين فوزي مکي أفندي قائمقاما عليه وعبد الغني افندي نائبا له . أما قضاء الخليل» فقد أسندت قائمقاميته إلى العرب» ولا سيما في القرنيين الثامن عشر والتاسع عشر» وكان مجلس متصرفية القدس يقترح إسناد القائمقامية إلى شخصية عربية. وفي أحيان كثيرة» كان البطريرك يتدخل لدى استنبول لتعيين شخصية محلية على قضاء الخليل. والجدير بالذكر أن البطريرك لم يتمسك بهوية الشخص المعين عليه'. شهدت القدس خلال تاريخها تزايدا بشريا ملحوظاء وأجبر الوافدون على
السكن خارج السور. وبمرور الزمن» اتصل البناء ببعضه وأطلق على الأحياء الجديدة اسم القدس الجديدةء والمنازل القديمة اسم القدس القديمةء ولا سيما في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ومطلمع القرن التاسع عشر› فأجبرت الدولة على إقامة ثلاثة أبراج مراقبة وتكنة وثلاث مخافر للجندرمة (الضبطية) خارج السورء ومنع العربان من الاستيطان في قضاء القدس لقيامهم بمهاجمة زوار المدينةء فأقيمت نقاط مراقبة ما بين الأقضية لحماية القرى من الهجمات البدوية. وثعد القبائل العامرية وقبائل آل غوش من أكثر القبائل شراسة»ء فقد تجرأتا لأكثر من مرة على مهاجمة ضواحي القدس ومنعتا الملتزمين والجباة من تحصيل الأموال واتفقتا مع قبائل السلط وعجلون لبيع ما لديها من غنائ('. وكانت القبائل تغتنم اضطراب الأوضاع داخل السور» والجدير بالذكر أن
-100-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997. _ د. دعا
التزايد السكاني والتنافس التجاري داخل المدينة وخارجها لم يكن يتعدى إطار المنافسة الاقتصادية. ويذكر بعض المؤرخين أن التنافس لم يتطور بشكل علني إلا بعد دعوة نابليون لليهود. وبحدوث حرب القرم 1856-1853ء أخذت المنافسة طابعا عدائياء أسهمت القنصليات الأوروبية والامتيازات التي منحت لها في تفاقمها واتساع دائرتها. |
لم تول الدولة العثمانية اضطرابات القدس اهتماما كبيراء a إرسال ولاتها إلى القدس. وبالرجوع إلى دفاتر الإفتاء والقضاء لم نعثر على ما يثبت تعيين قاضيين حنفي وشافعي في قضائي القدس» والخليل. وكانت متصرفية القدس وقفا على ولاة من الروميلي والأناضول» ومُنح قاضي القدس الحنفي صلاحيات واسعة حيث ع الحاكم الفعلي للمتصرفية“.
إلمدة سنتين. وبعد سنة من تعينه» توفي ودفن في مدينة طرابلس في منطقة البحريةء وذوّن على قبره أبيات من الشعر يشير فيها إلى مذهبه الحنفي. وفي سنة 1587م عَيّن محمد أفندي ثم أحيل إلى المعاش فطلب من استانبول السماح له بالإقامة في القدس مدى الحياة. وقد استجيب لطلبهء فخلفه في تولي القضاء عبد الله أفندي ثم أعيد ثانية. وفي سنة 3 عيّن شجاع أففدي»› وفي سنة 6م عَيّن عبد الحليم أفندي وفي سنة 1605م عَيّن عبد الكريم أفندي»ء وبعدها نقل إلى قضاء مكة والمدينة» حيث توفي بعد سنة ودفن فيها. . وفي سنة 1608م»› عين اکرم أفندي» وفي سنة 1616م عيّن محمد أفندي ومنها نقل إلى قضاء أيوب باشا في استانبول. وكان قضاة القدس يمنحون ستين أقجة يوميا وسكنا Ce
أما الوظائف الأخرى التي أؤجدها العثمانيون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فهي على النحو التالي:
` -101-
1 رئيس محكمة الحقوق. 2-المحاسبة. 3 مدير التحريات. 4 رئيس
المحكمة الجزائية. 5-مدير المعارف. 6-مدير الأمور الأجنبية. 7-مدير الأراضي. 8-مأمو ر الدفاتر الخاقانية. 9-مدير دائرة الأوقاف» إضاففة إلى وظائف ازى( .
أما أوضاع القدس الإدارية بعد عهد التنظيمات فكانت على النحو التالي:
-عهد إلى السيد الدرداء بمتصرفية المدينةء وإلى محمد أبو سعود رئاسة
مجلس الشورى الذي يضم عدة شخصيات محليةء من علماء وفقهاء القدس. وتفيد بعض المصادر التركيةء أن مجلس الشورى اقتصر فقط على العائلات الارستقراطيةء كما عَيّن محمد علي الحسيني نقيبا للأشراف» وعين احمد مراد آغا قائدا لحامية القلعةء المؤلفة من أربعة وخمسين جنديا من المدقعيين وستة أنفار اسطاوات» ومنح راتباً شهريا قدره ألف قرش وخمسة أقق خبز يوميا وعليقتين شعير؛ وحدد لكل أوسطة 0 قرش شهريا وأوقه ونصف خبز يومي
ولكل جندي ثمانين قرشا شهريا ونصف أوقة خبز يومي(. وعُيّن محمد درويش وكيلا للعساكر السلطانية براتب شهري قدره /1000/ قرش› وعيّن الشيخ إبراهيم آغا ناظر! على الأخبار للعساكر السلطانية. ومنح خليل بك الصالح ترجمان محكمة القدس رطلان خبز كل يوم. والجدير بالذكر» أن الدولة العثمانية وسعت الجهاز الإداري وأدخلت عليه تعديلا جذريا بعد خروج قوات محمد علي باشا منهاء كما سعى السلاطين لإقامة آثار تخليدا لذكراهم. وفي الوقت نفسهء شهدت القدس اهتماما أوروبيا ملحوظاء تمثل من خلال زيادة موظفيهم في القنصليات العائدة لهم. وقد أسهم هذا التزايد في تفاقم الأحداث وتعرض الأهالي لمضايقات كثيرة. وعلى الرغم من ذلك» فالدولة العثمانية لسم تحاول إيقافها أو الحد منهاء لأن قواتها عاجزة عن ضبط وربط الأمن. فأعدادها لا تزيد عن ثمانمائة جندي وسيطرتها لا تتعدى أسوار القدس» أمها ضواحي القدس والقرى المحيطة بها بقيت عرضة لهجمات البدو..
-102-
مجلة دراسات تاریخية-العد دان 60-59-کانون2-نیسان-1997. : دعا
)لنشاط الاقټټصا دي:
لا تشتكل الزراعة المصدر الأساسي لسكان مدينة القدس» لأن زراعتها تعتمد بالدرجة الأولى على مياه الأمطار. فمساحة القدس لا تزيد عن /20199/ دونماء منها /868/ دونما داخل السور. يضاف إلى ذلك» أن مياهها قليلة وينابيعها محدودة» وهي تخلو تماما من الأنهار» وموقعها ما بين البحر المييست شرقا والبحر الأبيض المتوسط غرباء وارتفاعها عنهما ما بين 3800-2500 قدماء منحها هواء عليلا وصيفا لطيفا. وفد أولى العثمانيون مياه القدس أهمية كبرى» حيث أمر السلطان سليم بإقامة سبعة سبل للمياه وأنشأ بركة السلطان ما بين الخليل وبيت لحم سنة 7.. وكانت أوامره السلطانية تقضي بحراسة المياه ومنع احتكارها من أي جهة أو قوة. وفي سنة 1622م» جددت عمارة سبیل الشعلان وشقت قناة عرفت بقناة السبيل وبنوا قلعة على طريق الخليل لحماية بركة سليمان لتأمين وصول الماء إلى القدس”“. وفي سنة 1812م عمرت قناة ماء من قبل متسلم القدس»› وفي سنذة 186م جددت من قبل كامل باشا. وفي سنة 1899م» احتفل بوصول مياه ارطاس إلى بَركة السلطان» حضره كبار رجال الحكومة وعلماء المدينة. وفي سنة 1900م صدر فرمان همايوني يقضي بترميم الأقنية. وعلاوة علسى الحروب والصراعات داخل المدينة وخارجهاء فقد تعرّضت مدينة القدس إلى عوارض طبيعية. ويذكر منها بعض المؤرخين والباحثين أن ندرة المياه في القدس مرده إلى الزلزال الذي تعرضت له المدينة سنة 780ق.م» والذي يذكره يوسیفوس حیث قال: أنه شق الجبال فغارت الطرق واندكت الابنية. ويليه زلزال 31ق.ءم» الذي أتى على عدد كبير من المواشي والأبقار وممات تحت
الأنقاض قرابة عشرة آلاف شخص”.
-103-
الأوضاع العامة للقدس في ظل الإدارة العثمانية.
كما تعرضت من سنة 2م وحتى 1927 إلى أربعين زلزالاء أشدها زلزال سنة 712م وزلزال سنة 8م الذي عم معظم الكرة الأرضية. كما أن مهاجمة الجراد لمزروعاتهم عرضها لمجاعات خانقةء فاتجه سكانها إلى العمل بأعمال أخری» منها السياحة والمهن الحرة والعمل في الدوائر الحكومية. والقسم الأخر عمل بالزراعة والتجارة ومقالع الأحجار وأعمال البناء. وتتركز زراعة سكان القدس بالدرجة الأولى على زراعة الزيتون والعنب والتين وغیر ھ(0.
وتفيد الأوامر السلطانيةء أن السلطان سليمان القانوني أصدر أمرا سنة 5ء؛ بتحويل 450 دونما من أراضي القدس إلى كروم وبساتين معفاة مهن الضرائب لمدة عشر سنوات بدلا من زراعتها بالحبوب والبقوليات» وخصشص ` من أراضي صنجق القدس /430624/ دونما لزراعة الشعير ودر المردود ب /88890/ كيلةء سعر الكيلة الواحدة /18/ قرشاء وخصص /47400/ دونما لز راعة القمح وفذر المردود ب/972000/ كيلة» سعر الكيلة الواحدة /40/ قرشاء وخصتص 10000 دونماء لزراعة البقوليات» وفدر المردود ب/5000/ كيلة سعر الكيلة الواحدة /10/ قروش(. وفي سنة 1552م أمر السلطان سليمان والي الشام بتأمين حاجة القدس من الحبوب»ء وكلف محتسب القدس بدفع الضريبة من الحبوب وتأمين مخفازن لخزن الحبوب المرسلة إليها من دمشقء لأن القدس تعرضت إلى قحط الجرادء أتلف مزروعاتها وتضايق الأهالي كثيرا. وإذا كانت الأوامر السلطانية تقضي بإعفاء المدينة من الضرائب وتطالب الولاة بتامين حاجتها من الحبوب» فان الاقضية الأخرى أرهقت بالضرائب» ولا سيما في فترة الضعف» كما أن القدس لم تنج منها. فهناك ضريبة المسقفات وهي من اختصاص بلدية القدس ولم تكن صلاحیاتها تتعدى المناطق داخل السور» وضريبة العشر تجبى من أصحاب الازاضي والمزارعين وكانت تجبى بوساطة الملتزمين. وكانوا بغالبيتهم من
-104-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. دعا
أرباب الإقطاع. وقد حدثت مشاحنات كثيرة ما بينهم وبين الفلاحين لارتكابهم الظلم والقسوة في تحصيلها. وضريبة الأغنام وهي تجبى من الأغنام والجمال بنسبة قرش ونصف عن كل رأس» وفي سنة 1590م» زيدت إلى قرشين شم زيدت إلى ثلاثة قروش» وفي سنة 1635م أصبحت خمسة قروش. ماعن الجمالء فيحصل عشرة قروش ثم زيدت إلى ثلاثة عشر قرشا و20 بارة. وأعفيت الخيل والحمير والثيران والجمال المعدة للحراثة. وفي سنة 1635ى» أمر السلطان مراد الزابع بتحصيلها حتى عن الطيور والدواجن وأمر بتحريم زراعة التبغ وشربه وحرم شرب القهوة» أما ضريبة التصنيع» ففرضت على أرباب الصناعات وأصحاب المهن بنسبة أرباح كل منهم» وثرك للمحتسب تقدير ذلك. وهناك ضريبة المعارف وضريبة العسكرية والبدل العسّكري والجزية وضريبة الغفرء وهذه الضريبة خاصة بالحجاج الذين يفدون إلى البلاد بقصد زيارة الأماكن المقدسة من يهود ونصارى. وذكرت لنا سجلات الإحصاء قيمة الواردات والمصروفات على صنجق القدس على النحو التالي:
مال الضريبة /3449151/ قرشاء بدل عسكرية /142564/ قرشا» بدل العشر /3627500/ قرشاء بدل رسوم /900867/ قرشاء واردات أمانة الإدارة /1840192/ قرشاء ضريبة حاصلات متنوعة /356500/ قرشiء المجموع /10316774/ قرشاء أما قيمة المصروفات (المصاريف) فكانت على النحو التالي:
الأمور الداخلية /5126328/ قرشاء لموظفي المالية (تحت بند أمور مالية)ء /654964/ قرشا للمحاكم الشرعية وقضاياهاء /209680/ قرشا للأمور التجاريةء /144908/ قرش للخدمات» /199268/ قرشا المجموع /6348640/ قرشا. الباقي يرسل إلى الخزينة العامرة وثقذر قيمته السنوية /3698134/ قرشا. ازدادت أوضاع القدس سواء بتراجع الدولة العثمانيةء وغدت حالتها الأمنية سيئة. فالإنكشارية فشلت في ضبط الأمن» ففي سنة 1684 قامت القبائل
105<
بمهاجمة ضواحي المدينة ونهبت ما فيها وفقدت المؤن من المدينة»ء فقدمست الشكاوي إلى السلطان» فأصدر فرمانا همايونيا إلى والي الشامء يأمره بشن حملات عسكرية ضد القبائل البدوية المجاورة لمدينة القدس”.
أما صناعة القدس فكانت تقليدية ومحدودة» ولكنها تميزت بطابعها الأصيل ودقة تصنيعها واعتمادها بصورة رئيسة على الغزل والنسيج» وصناعة القاشاني (الكاشاني) والخزف والشمع والزيت وصناعة البلاط وقلع الأحجار وقطعها والقرميد وأدوات الزينة ذات الرموز الدينيةء كما اشتهرت بمطاحن الحبوب حيث وجد فيها 85 مطحنة سنة 1570م وفي سنة 1890م» ويد بها /181/ مطحنة منها /95/ مطحنة عادية و/68/ مطحنة بخارية ووجد فيها /14/ معصرة زيتون. وفي سنة 1840م» قامت النمسا ببناء معصرة حديثة لعصر الزيتون ووؤُْجد بها ثلاثة معامل لصناعة الصابون. أما التقويم السنوي لسنة 8ه فذكر أنه وجد في القدس /910/ دكانا و141 مخزنا وأربعة حمامات وثلاثة خانات وأربع غشرة مطحنة وستة وعشرون فرنا ومعملان للصابون وتسع معاصر للزيتون(.
أما ثروتها الحيوانية فضئيلةء ولا تلقى اهتماما من السكان بسبب ندرة الأمطار وتوجه شبابها إلى ممارسة التجارة والعمل كأدلاء للسواح والزوار والقادمين لزيارة الأماكن المقدسةء على الرغم من أن الجبال المحيطة بالقدس تتسع لأعداد لا حصر لها من الأغنام والماعز. وقدمت لنا السجلات الإحصائية أن عدد قطعان الماعز /110049/ رأساء الأغنام /105744/ رأساء الجمال /9613/ رأساء الأبقار /6019/ رأساء الحمير /13000/ رأس» والبغال /8000/ رأس» الخيل /4900/ رأس» كما ربّوا الدجاج والحمام وغيرها مهن الطيور الداجنة(“.
واعتمد سکان القدس في تجارتهم على تجارة الخضر (كالبندورة» والقرع» والخيار والملفوف والجزر والبامية وسائره). وكانت معظم قرى
-106-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. دعا
فلسطين تبيع منتجاتها الزراعية والصناعية في أسواق القدس لأنها سوق رائجة ومتنوعة. ففيها السوق الطويل لبيع الصحون والفناجين وآلات الطهي وأدوات . . المنزل» وسوق الحلاجين وسوق الغلال وسوق لبيع الحبوب والغلمة وسوق الحرير وسوق البزارين» وهذه الأسواق يشرف عليها المحتسب الذي يذون في دفتر خاص أسماء التجار وأصحاب الدكاكين. وللسوق خانات ومخازن لحفظ البضائع فيها. وجميع الأسواق مسقوفة بالعقود المقنطرة ومرصوفة بالبلاط النقي» ويعد سوق الغلال من أهم أسواق القدس وأكثرها ازدحاما. وذكرت لأنا السالنامات أنه وجد في القدس /910/ دكان و/14/ مخزنا وثلاثة خانات(. وقامت الدولة بشق الطرق ما بين القدس والأقضية الأخرى وأقامت مخافر لحماية القوافل التجارية المتجهة ما بين القدس وحوران وما بين القدس والجزيرة» ولا سيما السلط ومعان ووسعت مرفاأ العقبة وأقامت به ترسانة لصناعة السفن. وبلغ طول الطرق في صنجق القدس /13.700/كم» وشق ذ القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما يزيد عن 11.700ك.0.
النشاط الأجتماعي:
1-النشاط التعليمي:
حفلت القدس منذ الفتح الإسلامي بالمدارس واتسعت دائرتها في؛ العهدين الأيوبي والمملوكي. أما في المرحلة العثمانيةء فقد حولت معظم المدارس والتكايا والزوايا إلى المذهب الحنفي» وتجنبت الدولة العثمانية ممارسة سياسة الإكراه على السكان لتبديل مذهبهم أسوة بالولايات العربية. والتخول الذي شهدته مدينة القدس مرأده الامتيازات التي منحت إلى دعاة المذدهب الحنفي» فاندفع الكثيرون لتبني المذهب طمعا بالحصول على الامتيازات» وبذلك غدت المدارس والزوايا القديمة عثمانية المنهج» ولم يعمد العثمانيون إلى تبديل أسماء تلك المدارس أو الزوايا. ومن أهم المدارس التي بنيت في العهد العثماني تكية ٠
-107-
خاصكي سلطان”ء ووّجدت سبع مدارس إسلامية خصوصية وإحدى عشرة مدرسة حكومية للعرب من مسملمين ومسيحيين وسبع وثلاثون مدرسة خصوصية. وبعد سنة 1890م وجد لليهود تسع عشرة مدرسة ابتدائية» وبنى العثمانيون عدة مدارس للحديث وتعليم القرآن(.
وفي سنة 1588م» قام محمد آغا باشا بإنشاء زاوية باسمه» مؤلففة من قاعة تدريس وغرفة للطعام وثلاث غرف للمنامة. وفي سنة 1596م أنشئ جامع المولوية لتعليم علوم القرآن تبرعت بدفع تكاليفه مولوية إزميت مع تقديم الطعام مجانا في شهر رمضان من كل سنة. وفي سنة 1616م بنيست الزاوية النقشبنديةء تبرعت بها دائرة أوقاف بغداد. وفي سنة 1637م قام متصرف القدس علي آغاء ببناء قبة يوسف آغا تكريما لوالده» الذي تولى قضاء بورصة لمدة ثمان سنوات وعلى فترات متقطعة. كما عمد العثمانيون إلسى تجديد الكثير من الزوايا والتكاياء ورمموا بعضها الآخر. وعلى الرغم من ذلك لم نلمس أن العثمانيين حاولوا طبع مدارس القدس بالطابع العثماني أسوة بالمدن الأخرىء وتركو! الأمور تجري دون تدخل مباشر منهم. فغدت ساحة القدس الدينية والتعليمية مجالا للتنافس على حساب مدينة القدس ومستقبلهاء واقتصر تدخل العثمانيين على إعادة الجوامع التي حولت في عهد الصليبين إلى كنائس. ووجد في ساحة الحرم ستة جوامع» وفذر عدد الجوامع داخل السور وخارجه بثلاثة وعشرين جامعا وزاوية"ء وعدد الجوامع خارج السور سبعة جوامع» كما وجد في مدينة القدس خمس عشرة مئذنةء أربعة منها داخل الحرم وإحدى عشرة خارجه. أما الزوايا والتكايا فهي كثيرةء وقد أعدت غالبيتها لاجتماع الدراويش من مختلف الطرق ونزول الغرباء من المسلمين الذين ينتمون إلى تلك الطرق. ونع الزاوية المجيدية التي بنيت سنة 1849م في شمال ضريح النبي داودء من أكبر الزوايا وأكثرها ازدحا(“.
-108-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. دعا
كما اهتمت الدولة العثمانية بالمقابر والترب» وكلفوا قوات بحراستها ومع الناس من الإقامة فيها. وأضاف العثمانيون إلى مسجد الصخرة مدارس وزواياء وعهدوا إلى المتصوفين بخدمة القبة» وحرص سلاطين آل عثمان على الاهتمام بالمسجد الأقصى. ففي سنة 1561م» أمر السلطان سليمان بتعمير جانب منه وبنى مدرسة ودار للحديث وعلوم القرآن. وفي سنة 7م أمر السلطان محمود الثاني بإعادة طلائه وكسائه ونقش اسمه على القبة من الداخل. وفي سذة 4ءء أمر السلطان عبد العزيز بوضع شبابيك مصنوعة من الفسيفساء» وأمر السلطان عبد الحميد باكسائه بالسجاد العجمي”“.
دأب العثمانيون على إرسال المدرسين والقضاة إلى القدس بصورة مستمرة» ومنحوا امتيازات كبيرة للراغبين بالذهاب إلى القدس للتدريس في المدارس أو لتعليم الحديث والقرآن في الزوايا والتكايا. ومنح الممدرس راتباً يوميا قدره /40/أقجة ومدرس علم الحديث والقرآن /50/ أقجة يومياء والععالم المكلف بإدارة الزوايا السلطانية /60/ أقجة يومياً. وسح لأصحاب الطرق ودعاتها بجمع التبرعات وإرسالها للقدس أو مكة والمدينة. وتقدم لنا السجلات الإحصائية كشفا بعدد المدارس وطلابها على النحو التالي:
في سنة 1670م» بلغ عدد المدارس الابتدائية في مدينة القدس ثلاث عشرة مدرسة وعدد طلابها /186/ طالباء وفي سنة 1700م بلغ عدد المدارس الابتدائية /28/ مدرسة وعدد طلابها /450/طالباء إضافة إلى مدرسة رشدية وعدد طلابها /26/ طالبا. وفي سنة 1790م» بلغ عدد المدارس الابتدائية /50/ مدرسة وعدد طلابها /2400/ طالبا وعدد مدرسيها /90/ مدرسا ومدرسة؛ ومدرستان رشديتان وعدد طلابهما /150/ طالبا. وفي سنة 1900م» بلغ عدد المدارس الابتدائية /65/ مدرسة وعدد طلابها /4062/ طالباء منهم /2408/ من الذكور و/1654/ من الإناث. وفي سنة 1913ءم» بلغ عدد المدارس الابتدائية /248/ مدرسةء وعدد طلابها /11586/ طالبا منهم /10828/ ذكورا و/758/
~109-
إناثا. وعدد المدارس الرشدية ثلاث مدارس وعدد طلابها /233/ طالبا. كما وجد مكتب للإعدادية عدد طلابه /86/ طالبا. أما المدارس غير الإسلاميةء فبلغ عدد المدارس الابتدائية /96/ مدرسة وعدد المدرسين /232/ مدرسا وعدد الطلاب /4323/ طالباً. وعدد المدارس الرشدية أربع مدارس وعدد الطلاب /450/ طالباء وبلغ عدد المدارس الإعدادية خمس مدارس وعدد الطلاب /104/ طالب (43.
وتوضح لنا السجلات الإحصائية أن مدينة القدس منذ القديم وحتى الآن كانت قبلة للمتعلمين حيث وأجد فيها ما يزيد عن مئتين وخمسين مدرسة وهي ملك لجميع الأجناس والعناصر والأديان.
2-سكان المدبنةء
إن مكانة القدس الدينية وموقعها الاستراتيجي أسهما في زيادة التوافد البشري إليهاء سواء لأسباب دينية أم لأسباب اقتصاديةء بسبب تجاهل العثمانيين لهذه الظاهرة وإسرافهم في منح الامتيازات. اتخذ التنافس طابعا طائفيا ثم قوميا وبالرجوع إلى سجلات الإحصاء التي أجريت من قبل الإدارة العثمانيةء يتضتح لنا أن مدينة القدس و أقضيتها عامة شهدت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تزايد بشريا طفيلياًء أسهم في زيادة الصراعات التي اتخذت صبغة دينية. ولم يكن للطائفة اليهوديةء والتي لم يتعد عددها /90/ يهوديا سنة 1535م أي دور غير العبادة. ولم يتطلعوا إلى أكثر من ذلك حتى ولادة المسألة الشرقيةء حيث انبثق عنها فكرة الوطن الاستيطاني من قبل قادة بريطانية ومفكريها. ولم يقف السلطان عبد الحميد الثاني بثبات حيال التزايد اليهودي» فإن كان فرمان سنة 1882م يقضي بمنع الهجرة ويحرمهم من شراء الأراضيء» فإنه تراجع عنه تدريجيا واستبدله بفرمان يقضي بالسماح لهم بالدخول والبقاء لمدة ثلاثة أشهر. وأجاز بناء ستة كنائس: اثنتين ليهود الاشكنازيم» وثلاث للسفراديم ومدرسة
-110-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997. د عا
للبنات» وثلاثة مستشفيات هي: مستشفى ولخ» ومستشفى روتشيلد» ومستشهفى میکورخولیم.
إن الامتيازات التي منحت منذ سليم الأول وحتى السلطان عبد الحميد الثاني أصبحت لدى الأوروبيين حقوق» وأي إنقاص منها يعني أن الأتراك اعتدوا على حقوقهم» وحرموهم من امتيازاتهم. فالثكنة العثمانيةء التي قڌمها السلطان عبد المجيد إلى نابليون الثالث سنة 1855م» حولت في سنة 1878م إلى كلية أكليركيةء بعدما كانت مدرسةء وبعدها حولها جمال باشا سنة 1914م إلى كلية إسلامية وسماها كلية صلاح الدين» ثم حولها الإنكليز بعد سنة 1917م إلى مكتبة ومتحف.
وفي سنة 1636م سمح السلطان مراد الرابع للاباء الكرمليين بالسكن في حيفا وبنوا كنائس وأديرة على جبل الكرمل“. وفي سنة 1848 سمح لراهبلت صهيون بالقدوم إلى بيت المقدس فبنوا مدرسة وكنيسة وميتماء وفي سنة 1873م سمح لراهبات صهيون بالقدوم إلى القدس وسمح لهن ببناء مدارس»ء وفي سنة 6م سمح لراهبات المحبة بالقدوم إلى القدس وبنوا دورا للأطفال والأيتام والعجزة» وفي سنة 1888م سمح لراهبات السجود بالقدوم إلى القدس» وفي سنة 0م سمح للأحباش ببناء دير الحبش» بجوار كنيسة القيامهة فوق مغارة الصليب» هذه الامتيازات التي منحها سلاطين آل عثمان» كانت على حساب عروبة فلسطين»ء وعلى حساب سكان فلسطين الأصليين.
وما الامتيازات إلا نافذة استخدمتها أوروبة قاطبة تحت ستار الدين»ء هذا التزايد خلق في القدس جوا مهيا للصراع؛ لان أرضيته صالحة لخلق
صراعات ونزاعات“.
وبالرجوع إلى سجلات الإحصاء العثمانيةء يتضتح لنا أن إحصاء سذنة 0م قدر عدد سکان القدس اٿئي عشر ألفاء وإحصاء سنة 1605م قدر عددهم
-111-
0 نسمة» وإحصاء سنة 1670 قذر عددهم 45000 نسمة وإحصاء سنة 0م ارتفع إلى 48000 نسمة(“.
ويذكر الإحصاء الذي أجراه محمد باشا حاكم القدس إن عدد سكان مدينة القدس بلغ 46000 نسمة ينتسبون إلى مختلف الأمم والطوائف» أما اليهود فلم تكن أعدادهم تزيد عن 150 نسمة» أما التقويمات السنوية لسنة 8ه/1871ءم. فتذكر أنه بلغ عدد المسلمين 1025 خانة والروم 299 خانة واللاتين 179 خانة والأرمن 175 خانة والكاثوليك 18 خائة والبروتستانت 116 خانة والأقباط 64 خانة والسريان /7/ خانات واليهود /600/ خانة(”“.
أما سجلات الإحصاء لسنة 1895/1313م فتذكر عدد سكان صنجق القدس كالتالي:
كان عدد المسلمين 217.346 نسمة والأقباط 101 نسمة والووم 19070 نسمة والأرمن 825 نسمة والكاثوليك 505 نسمة واليهود /11.899/ نسمة والبروتستانت /785/ نسمة واللاتين /8355/ نسمة“.
آما الدباغ فذكر في كتابه أن عدد سكان مدينة القدس بلغ /62.577/ نسمة استناداً إلى إحصاء سنة 1922م موزعين على النحو التالي:
المسلمون /13413/ نسمة المسيحيون /14699/ نسمة اليهود /33971/ نسمة الهنود /484/ نسمة و/10/ من أمم مختلفة(.
شهدت مدينة القدس اهتمام السلاطين العثمانيين ولا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد انتشرت الأبنية خارج السور بشكل واسے» حيث أجاز السلطان عبد المجيد لكل الراغبين السكن في مدينة الققدس إقامة الأبنيةء وحذا السلطان عبد الحميد حذوه. ووجه السلطان اهتمامه إلى إقامة منشآت حكومية ولا سيما في فترة الوالي رؤوف باشا الذي امتدت ولايته من (1888-1876م) وهو الذي أمر بإنشاء مشهد الحسين في عسقلان ورّمم الجامع
-112-
۱
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. محمود عامر
الكبير في غزةء وفي عهده كثرت هجرة اليهود إلى فلسطين وازدادت عمليات شراء الأراضي» فاحتج السكان على تزايد الهجرة اليهودية وشرائهم الأرضي» ' فوجه وجهاء القدس سنة 1891م عريضة إلى السلطات العثمانية وقعها /500/ من الأهالي يطلبون فيها منع الهجرة وشراء الأراضي من قبل اليهود» وتجلى دور السلطان في إصدار فرمان يحدد الهجرة اليهودية بزيارتهم للقدس لمدة ثلاثة أشهر فقط وإذا لم يغادر اليهودي الأجنبي البلاد في نهاية الأشهر الثلاثة تقوم الحكومة بتسفيره وإبعاده» ومن ثم استجاب للضغط الأوروبي» فأمر بفصل قضاء الناصرة عن لواء عكا وإلحاقه بمتصرفية القدس» وفي سنة 1908م أعيد قضاء الناصرة لمتصرفية عكا رعاية لمصلحة أهله.
إن الأحداث التي شهدتها القدس في أوائل القرن العشرين مليئة بالحوادث المتشابكةء والتنويه بالضعف العثماني وتساهل السلاطين في منح الأوروبيينن امتيازات» أسهمت في نقل القدس إلى ميدان التسابق الدولي والتنافس العالميء ووضعت الأمة العربية بما تمتلكه من تراث حضاري وطاقات بشريةء أمام
صراع حتمي ومصيري..
-113-
الأوضاع العامة للقدس في ظل الإدارة العثمانية.
N
سا ٣۷ے رال
1- دولة عثمانية سالنامة س. سنة 1269-ص 7و8 وساالنامة سنة 1272- ص70 وما بعد. Nezaret-l1 unumr-I Ticaret Ve Nafia s.4. ve. Unum 1 salnamesi -2 s. 1290 v.e. 1298 s 80-81-82. Ismail Uzun carsili: Osmanli Tarihi, Ankara, 1983 c.7.s.312 -3 4- استانبول مفتلك دفتري نمره: 3 ص 18. 5- استانبول مفتلك دفتري نمره: 3 ص 19. 6- استانبوؤل مفتلك دفتري نمره: 3 ص 35-34. 7- مالية مدور دفتري نمره: 11 ص 97-96. Ismail Uzun carsili: Osmanli Tarihi: c.7.8. 234,241 -8 Sam Mudevr defteri: Nr 16.s.28-29 -9 Vakif Dergisi. Sayi 8.s.19-20 -10 Ismail Uzun carsili: Osmanli Tarihi . c.7. 341-345 -11 2“ عارف العارف» تاريخ القداس»ء ص 218. 3“ عمومي سالنامة» س سنة 1308-ص967-964. 4- أناضولك دفتري نمره: 23 ص97-96.
5- تاریخ نعیماء› ج3 ص 318.
-114-
مجلة دراسات تار يخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997. د. محمود عامر
6- عمومي سالنامة» س سنة 1305-ص967-964.
7- قدس مسائل مهمة نمرة: 19 لف 2و3.
8 تاریخ نعیماء ج3 ص 405 أما عبد العزيز عوض فيققول في کتابه (مقدمة في تاريخ فلسطين الحديث) أن القبيلة التي أثارت الشغب وأقلقت الدولة العثمانية وولاتها في متصرفية القدس فهي قبيلة التعمامرة التي تقطن في ضواحي القدس» بعكس ما ذكره نعيما في کتابه» ويؤيد جودت باشا في كتابه تاريخ جودت ج7 ما ذهب إليه نعيما ولم نعثر في دائرة المعارف الإسلامية التركية على ما يؤيد الطرفيسن» ولم تذكر دائرة المعارف أي اسم للقبائل التي تسببت في إثارة الشغب.
9 -اناضول قاضيلك دفتري: 9 بدون ترقيم.
20- Hadika, Tu-L adayik FI Tekmileti, s-sakayik. S. 591.
1- عمومي سالنامة» س سنة 1308-ص967-964.
2“ مصطفی مراد الدباع: بلادنا فلسطین -بيروت-1976 ج10 ص36-35.
23 المرجع السابق -ص38.
24- تاريخ القدس» ص 191.
5“ قدس مسائل مهمة-نمره: 19 لف 4و5.
6“ قدس مسائل مهمة-نمره؛ 19 لف 4ر5.
7“ فرمان همايون رقم 4618 يلدز -تصنيفي کرتون رقم 118.
8“ تاريخ الفقدس» ص227.
29- Nezareti umumri Ticaret ve Nafla s. 110 30- Nezaret-1 umumr-1 Ticaret ve Nafîia s. 110
31- Nezaret-1] umumr-1 Ticaret ve Nafla s. 110
S1595
الأوضاع العامة للقدس في ظل الإدارة العثمانية. 2- سجلات الديوان الهمايوني-جودت تصنيفي رقم 2336 لف 2 و3 و4- وانظر تاریخ جودت ج7» ص134. 3- سورية سالنامة س لسنة 1288-ص150. Nezaret-1 umumr-1 Ticaret ve Nafia s. 110 -34 5“ سورية سالنامة س لسنة 1288-”ص150. Nezaret-1 umumr-1 Ticaret ve Nafia s. 110 -36 Cahid Baltaci: Osmanli Medresleri: Istanbul. 1976 s. 13. -37 Cahid Baltaci: Osmanli Medresleri. S. 139 -38 Atif Afendi: K.T.P. NR:NR 1280.s.11 -39 Atif Afendi: s.12 -40 Atif Afendi: s.12 -41 Atif Afendi: s.29-30 -42 Nezaret-1 umumr-1 Ticaret ve Nafia S. 83 -43 Nezaret-1 umumr-1 Ticaret ve Nafia. S. 108 -44 Ismail uzun carsili: Osmanli Tarihi c.8.s. 185. -45 Nezaret-1 umumr-1 Ticaret ve Nafia.s. 118. -46 7- سورية سالنامة س لسنة 1288-ص150. 8- نظات أمور تجارت ونافعة ص188-وورد هذا المصدر ساببقا باللفة التركية. 9- مصطفى مراد الدباع-بلادنا فلسطين -ج10-ص184.
-116-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. سامية أبو عمران
الشخصيات الشرقية فل معجم التراجم"
بقلم د. أبو عمران سامية جامعة الجزائر
تناولنا في مقال سابق( تراجم الشخصيات المغربية والأندلسيةء وفي هذا المقال ندرس بعض الشخصيات الثرقية التي وردت في المعجم المذكور وعددها يفوق بكثير المجموعة الأولى. ونظرا لهذا العدد الكبير لا يمكننا أن نحلل كل ترجمة على حدة بل فضانا تقسيم ملاحظاتنا إلى ثلاثة أصناف: نبداأ بملاحظات شكلية ثم نقدم ملاحظات تتعلق بعناوين المؤلف وبالاعلام المعروضة ونتعرض في النهاية إلى الأخطاء التاريخية التي سجلناها هفنا وهناك. وفي الخلاصة نتقدم بعدد من الاقتراحات قصد إثراء المعجم إذا قرر
الناشر إعادة طبعه باعتباره مرجعا مفيدا للطلبة والباحثين وجمهور المثقفين.
1- علا حظا وتے شكلية:
أشار المؤلفون في تصدير المعجم إلى أنهم اعتمدوا طريقة ادائرة المعارف الإسلامية" في نقل الأسماء العربية' مع تبسيطهاء غير أنهم لم يلتزموا بذلك في جميع الحالات» على سبيل المثال: صتفوا الغزالي (ص25) أو الطبري (ص 37) في ال يعني في حرف | بدلا من ترتيبهما في حرفي الغيسن والطاء» إلا أنهم لم يحترموا هذه القاعدة في جميع الأعلام إذ رتبوا المسعودي (ص 223) في مسعودي أي في حرف الميم بدلا من الألف خلافا لما فعلوا من قبل. ينبغي إذن ترتيب كل الأعلام بناء على الحرف الأول من الاسم ويسترتب على ذلك تحويل "البلاذري" (ص 18) من حرف | إلى حرف ب و"البيروني
-119-
(ص 19( إلى حرف ب أيضا و"الفار ابي" (ص 23( إلى حرف ف و"عمر الخيام" (ص 5) إلى حرف خ...
ويبدو أن بعض المؤلفين يجهلون اللغة العربيةء إذ ذكر أحدهم في ترجمة الخليفة أبي بكر (ص ه) أنه 'خليفة راشدون" فلم ينتبه إلى أن الخليفة مففرد والراشدون جمع فكان عليه أن يقول أنه أول "الخلفاء الراشدين". وذكر أيضأ هذا المؤلف قبيلة القرشيين (ص 9 بدلا من قبيلة "قريش". واستعمل مؤلف آخر كلمة "دار" (ص 25) في المذكر وهي في المؤنث» ثم وقع خلط بين 'بيت الحكمة" و'دار الحكمة". فالمؤسسة الأولى خاصة بمدينة بغفداد في العصر العباسي والثانية خاصة بمدينة القاهرة في العصر الفاطمي. ومن حين لآخر نجد مفردات في غير محلهاء مثلا: يقول المترجم لابن قتيية (ص 175) أن المتوكل "ارتكب" الرجوع إلى الدين الصحيح كأن هذا الخليفة ارتكب جريمةء إذ هذا الفعل لا يستعمل إلا في هذه الحالة › بل قد أحسن المتوكل فمل بإعادة الأمور إلى أصلها. وورد خطأ أيضاً في لقب "سيف الدولة" (ص 279) إذ نقله صاحب الترجمة إلى 'سيف الأسرة الحاكمة" وقد تغير كذلك معنى جملة في ترجمة 'بيبرس" (ص 51) بسبب خطا مطبعمي» وحدث أحيانا أن صاحب الترجمة رتب حسب اسمه وليس حسب لقبهء مثلا: أحمد بن حنبل (ص 16) ينبغي أن يرتب في "ابن حنبل" مثل "ابن خلدون" و"ابن رشد". وقع خطا تارة في تاريخ الميلاد وتارة في تاريخ الوفاة. مثلا: وجدنا أن "صلاح الدين الأيوبي"' (ص 277) توفي سنة 594ه/1198م والصحيح 589ه/1193م و"سليم الأول' (ص 280) توفي سنة 924ه/1520م وليس سنة 872ه/1470م.
2- ملاحظطاتے حول ناوین الضټیج واسماء )لشخسیایتہ
سجلنا عدة أخطاء فيما يتعلق بعناوين الكتب أو ترجمتها مشل كتاب الإمام الشافعي (ص 36) المعروف ب "الفقه الأكبر" الذي تحول إلى "مققاصد
-120-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. سامية أ ان
الفلاسفة". وقع هنا الخلط بين 'الفلسفة و 'الفلاسفة" وكتاب "تهافت الفلاسفة" سماه ازور الفلاسفة" (ص 25). ثم وجدنا في ترجمة "ابن سينا" (ص 176) أن 'كتاب الشفاء" قد وضع خطأ في مؤلفاته الطبية وهو كتاب فلسفي- والسبب في ذلك أن المترجم فهم 'الشفاء" بمعناه الطبي وليس بمعناه النفسي. لاحظنا أحيانا أن عنوان الكتاب الأصلي قد أهمل وعوض بمعناه مشلا في ترجمة الطبري (ص 37) "تاريخ الرسل والملوك" دون ذكر الأصل العربي. ولم يذكر عنوان لكتاب التفسير الذي هو "جامع البيان" المعروف بتفسير الطبري. وفي ترجمة "الجاحظ' (ص 21) وجدنا عنوانا لكتاب (Le Livre des (015صها6 وهو يذكر في مؤلفات "الجاحظ"'. وفي ترجمة الأشعري (ص 7) أهمل كتاب "المع" وفي ترجمة "البيروني" (ص 19) أهمل العنوان الأصلي لكتابه المشهور ب "لقانون المسعودي"”. سبق لنا أن سجلنا في المقال الأول الخلط الذي وقع بين "أبي بكر الرازي" و"فخر الدين الوازي" (ص 6 قد أخطأ في ترجمة "ابن خلدون" (ص 174). ولاحظنا خطأ في نقل اسم الفيلسوف "الفارابي" إلى اللغة اللاتينية وهو أبو النصر (6۲٥112ءA۷)'/. وفي ترجمة 'الأصفهاني' صاحب "الأغاني" (ص 27) وقع تحريف في كنيته فذكر صاحب الترجمة "أبو فرج" عوض "بو الفرج"ء وفي ترجمة 'حنين بن إسحاق" (ص 171) وقع تحريف في اسم أستاذه الطبيب "ابن مساويه"» كما وقع تحريف في اسم "ابن خلويه" الذي جمع ديوان "بي فراس" (ص 9). وفي ترجمة بيبرس (ص 51) تحول اسم السلطان 'قوطز' إلى 'قوروز' (". ولاحظنا كذلك تحريف اسم الوزير "فخر الدولۂ' (1-04w1aے ٣طٰ۴۵k) (ص 3) الذي سمي 'فكر الدولة". كما لاحظنا في اسم المؤرخ 'عماد الدين الأصفهاني" (ص 277) الذي سماه صاحب الترجمة "ابن الأصفهاني"'.
-121-
3ا خطاء ټأر بخية:
يجب إعادة ترجمة الرسول -صلعم- (ص 228-227) لأنها بعيدة كل البعد عن الحقيقة التاريخية وفيها الكثير من التعصب والنقص. إنها لا تبن أن الرسول -صلعم- قد أسس دولة وجاء بدين جديد» ولا تشير الترجمة إلى أخلاقه الحميدة وكانت معروفة قبل بداية الرسالة إذ كان يسمى 'الأمين". ولم يبرز فيها رجل الدولة ولا رجل الدعوة رغم أن معظم المؤرخين اعترفوا بأنه يعد من أكبر الشخصيات في مسيرة الإنسانية. يكفي أن نذكر هنا برأي الأديب الفرنسي المعروف "لامارتين" (٥١1٤۲ةه1) إذ قال" وإذا قسناه على المقاييس التي تقدر بها العظمة البشريةء من هو الرجل الذي كان أعظم منه"”". ويمكسن انط غ رجات ا ال ا د بد حو دا والمؤلف الإنكليزي المسلم 'مارتين لينغز"'. ونلاحظ أيضا في ترجمة الرسول -صلعم- عبارات غريبة مثل 'تعريب الوحي" (ص 27) 'وحصل على غنيمة بيرة" (ص 227)» واحتل مكة 'بدون أن تواجهه مقاومة حقيقية" (ص 228). وتگونت عصابات وتخاصمت! (ص 228)» وكل هذه العبارات ينبغي أن يعاد فيها النظر لتحقق وتهذب. وبعد ذلك نجد بعض الأخطاء في تراجم الخلفاء الراشدين» إذ قيل عن الخليفة "أبي بكر" (ص 9) أنه 'تاجر متواضع" وهذا غير صحيح بل كان تنلجرا غنيا وقد أنفق من ماله الخاص على أخوانه في الدين. أما الخليفة "عثمان' فهو الذي أشرف فعلاً على تدوين القرآن العظيم (ص 298) ولم تحدث خلافات في هذا الموضوع والمشهور أن مصحف عثمان هو المتداول في العالم الإسلامي إلى يومنا هذاء وفيما يخص الإمام "علي بن أبي طالب" (ص 26) فقد تبنى صاحب الترجمة إدعاء '"معاوية" الذي شوه الحقيقة ليستولي على الحكم» بل اشتهر الإمام علي بتقواه وحزمه ولم يعرف بسوء التصرف أو 'بحدة المزاج".
-~122-
مجلة دراساأت تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997, د. سامية أر ان
ولم يتفوق معاوية إلا بالحيلة والمناورةء وأما زوجته السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول -صلعم- فوصفها صاحب الترجمة وصفا غير لائق بها (ص 121) ويبدو أنه ابتعد عن الحقيقة واختار رواية المستشرق '"لامنس" (78ع۳ ٣ aا) المعادية لها وللاسرة الشرقيةء وأهمل رواية المستشرق 'ماسينيون' («0«عاووه) الذي سجل الواقع المعروف ويمكن للقارئ أن يراجع ذلك في مقالة 'دائرة المعارف الإسلامية". وفي ترجمة 'حنين بن إسحاق" (ص 171) زعم المؤلف أن هذا العالم كان يحسن اللغة السريانية أكثر من اللغفة العربيية نظرا لصعوبة هذه الأخيرة. وهذا رأي غريب إذ يعتبر حنين بن إسحاق من أعظم الكتاب في الأدب العربي. ومما لا شك فيه أن الصعوبة لم يجدها 'حنين" في النحو بل في جدة المصطلحات العلمية التي اجتهد اجتهادا كبيرآ في صيغتها. وذكر صاحب الترجمة أن 'حنين" ألف كذلك تاريخا امتد من عهد آدم -عليه السلام- إلى عهد المتوكل (ص 171) إلا أن هذا الكتاب ليس له أثر في قائمة مؤلفاته. ويصطدم القارئ برأي ورد في ترجمة الخليفة 'المنصور' العباسي وهو أن دولته كانت علمانية في جوهرها (ص 28).
وهذا غير صحيح إذ أن الدولة العباسية كانت دولة إسلامية من بدايتها إلى نهايتهاء وذهب المستشرق الاألماني بروكلمان (١41٣1ءkء٠إ8) إلى القول بأنه تحقق في عهده "المثل الأعلى الثيوقراطي". ويتعجب القارئ أيضا مما قاله المترجم عن الخليفة "هارون الرشيد" (ص 154-153) إذ سجل "أنه من الصعب جدا بعد الإطلاع على المصادر الإسلامية. اعتبار هارون الرشيد ملكا عظيما أم قاصرا"'. وخلافا لذلك أجمع المؤرخون على أن "هارون الرشيد' كان من أعظم الخلفاء العباسيين» ولص بروكلمان رأيهم حيث قال: "بلغت الخلافة العباسية أوج سلطانها وقوتها في عهده"*.
وفي ترجمة "الجاحظ' ورد أن هذا المفكر كان من أهل السنة ومعارضا للمعتزلة (ص 21)؛ وهذا خطأ واضح إذ "الجاحظ" لم يكن من أهل السنة بل
225
كان من أقطاب المعتزلة وكان زعيم مدرسة فيها اشتهرت ب 'الجاحظية"*. وورد أيضا خطأ في حق "المسعودي" وذلك في ترجمة 'معاوية" (ص 226) إذ اعتبره صاحب الترجمة من الكتاب المتحيزين جدا. وهذا غير صحيح إطلاقا. وفي ترجمة "أبي الحسن الأشعري" (ص 18) ذكر صاحبها أن هذا العمالم له عشرون كتابا في المناظرات ولم يبق منها سوى كتاب "اللمع' ولكن "الأشعري' لم يكن مناظرا فقط بل كان متكلماء فنجبمد له عدةكتب منها مقالات الإسلاميين 7 وهو من أهم كتبهء إذ عرف بالمذاهب الإسلاميةء وكتاب "الإبانة عن أصول الديانة". وفي ترجمة 'أبي فراس" نجد إشارة إلى أن قريبه "سيف الدولة" لم يسارع في إخراجه من السجن في مدينة القسطنطينية (ص 9) إنما الأمر ليس كذلك بل أراد "سيف الدولة" إطلاق سراح جميع المعتقلين”.
وعند ذكر "البيروني" ادعى صاحب ترجمته أن هذا المفكر لم يعتمد على الإسلام في مؤلفاته (ص 9) غير أن البيروني أشار إلى ارتباطه بالدين الإسلامي في كتاب الهندء وذلك عندما قارن بين الإسلام ومعتقدات الهنود. وورد كذلك في الترجمة أن البيروني كان يمَّجد اللغة العربية التي استعملها في مؤلفاته العلمية (ص 30)؛ رغم أنه تعود على اللغة الإيرانية» ولكنه لم يجد فيها المصطلحات العلمية ولذلك فضل عليها اللغة العربية. وورد في ترجمة 'الغزالي" شيء غريب وهو أن الإمام أصيب بمرض عصبي فتخلى عن التدريس وحياة الرفاهيةء فاختار حياة الزهد إلى أن توفي (ص 25)» غير أن المؤرخين لم يذكروا هذا "المرض العصبي" وإنما سجلوا أن الإمام مر بأزمهة صوفية بناءَ على ما ذكره في كتاب "المنقذ من الظلال' إذ قال:... دخلمت الشام... لا شغل لي إلا العزلة والخلوة... ودمت على ذلك مقدار عشر سنين". وإذا زهد الغزالي فعلاً في الجاه والتدريس الرسمي فإنه لم يتخل عن تكوين الموردين» وهنا ينبغي التذكير بأن السبب في عزلته يعود إلى تخوفه من الباطنية الذين اغتالوا صديقه الوزير نظام الملك سنة 1092/5485. ولذلك
-124-
مجلة دراسات تأريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. سامية ار ان
غادر بغداد واختفی في دمشق. وهناك خطأ آخر ينسب للغزالي هو علاقته الغامضة بالأشعري» وقد يفهم من كلام المترجم أنه أخذ شيئا من التصوف عن الأشعري في حين أن الإمام الأشعري لم يعتن بالتصوف الذي انغمس فيه الغزالي فيما بعد. ونلاحظ كذلك عبارة غامضة في نهاية الترجمة بحيث لا يفهم القارئ لماذا عارض عدد من المفكرين الإمام الغزالي.
ومن الغريب أن نجد في ترجمة أبي نواس أن الشاعر قد تمرآد على الدين صراحة (ص 11) ويبدو أن هذا الكلام فيه شيء من المبالغة وإن كان أبو نواس قد انحرفت سیرته فعلا في نظر معاصریه ولکنه تاب في آخر حیاته کم تدل على ذلك زهدياته. وهناك خطأ آخر في ترجمة نظام الملك (ص 23( حيث ورد فيها أن ملك شاه قد أمر باغتيال وزيره نظام الملك» ومن المشهور أن هذا الاغتيال تم على يد الباطنية الإسماعيلية؛ الذين خصص لهم الغزالي كتابا بعنوان "فضائح الباطنية". وهناك تحامل على السلطان "مراد الشاني' (ص 229-228) لا مبرّر له وقد أهمل صاحب ترجمته فضل هذا السلطان الذي كانت له شخصية بارزة» وقد بدأت النهضة العثمانية في عصره. ويلاحظ كذلك خلل في المنهجية إذ وردت في ترجمتي 'سليم الأول" (ص 280) و'سنان" (ص 283) حيث ولد الأول سنة 868ه/1464ن»ء والثاني سنة 4ه/1489ءم. فهما لا ينتميان إلى العصر الوسيط وقد حدد المعجم الفترة التاريخية التي تناولها ما بين 475م و1453م.
وفي الختام نريد أن نقترح على المؤلفين إضافة شخصيات بارزة كما فعلنا في المقال الأول:
-في بداية الإسلام» أبو ذر الغفاري 653/532م» وعمرو بن العاص 2م/663م» وعائشة أم المؤمنين» وبلال 21ه/641م» والحسين 680/1م» وسلمان الفارسي 55ه/678م» والفرزدق 110ه/728م؛ والحجاج بن يوسف 95ه/714م.
e
-في الفترة الأخيرة من العصر الوسيط» ناصر خسرو 1060/252م وابن قلارون 1292/929م وجلل الدين الرومي 1273/2 والمقدسي 620ه/1223م» وابن تيمية 728ه/1328ء.
ويمكن الاستعانة هنا بالمتخصصين المعروفين سواء من الغرب أو من العالم الإسلامي على أساس أن يكون اعتمادهم على المؤلفات الأصلية. ويستحسن أن يقع التركيز على التبادل الثقافي بين الشعوب والحضارات الغربية والشرقيةء والقصد من ذلك التعرف الصحيح على العصر الرسيط وهو فترة غنية بالاحداث والشخصيات» وإن كان الجمهور في الغرب لا يعيره الاهتمام المطلوب بل يعده من العصور المظلمة ويقلل من قيمته بالنسبة للعصور الحديثة. وقد ساهم "معجم التراجم" هذا فعلاً في إعادة الاعتبار إلى هذه الففترة الهامة من تاريخ البحر الأبيض المتوسط غربا وشرقا.
-126=
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. 5ا ان
زوس در 20
ر " ی
- معجم التراجم» القرون الوسطى» أشرف عليه جان ماري بيزيير» ونشره أرمان كولن» باريس 1993ء 310 صفحة.
Dictionnaire des biographies (Le Moyen Age), Collection Cursus
dirigée par Jean-Marie Bizière. Edit. A. Colin, Paris, 1993, 310
pages.
ر انظر د٠ أبو عمران سامية› ملاحظات حول "معجم التراجم مجلة المبرز› العدد 4» المدرسة العليا للآداب والعلوم الإنسانية؛ الجزائر» يناير 1995.
3- تناول المعجم 5 شخصيات من المغرب والأندلس و57 شخصية من الشرق. 4~ انظر تصدیر المعجم» ص6. نفس الملاحظة تنطبق على الخلفاء: علي ص 26ء وعمر ص594» وعثمان 298. Vanité des philosophes. -6 7- ابن سینا الشفاءء دار الكتاب العربي للطباعة والنشر القاهرةء 9 1969ء. 8- ط» القاهرة 1960ء 10 أجزاء.
9- ط القاهرة 4 60 جز ءاً.
=2
0- انظر ياقوت الحموي» معجم الأدباء» ط مكتبة عيسى الحلبي» القاهرة» 5 م› ج.13› ص 95-94.
11 س صن اهر ۱555 2- القانون المسعودي في الهيئة والنجوم› حیدر باد» 1956-1954› 3 a 3- انظر :
R. Caratini, Le Génie de I'islamisme, edit. Lafon, Paris, 1992, P.56.
4- انظر ياقوت الحموي» نفس المصدر» ج13» ص94.
5 انظر بروكلمان» تاريخ الشعوب الإساامية› دار العلم للملايين»› 50 بيروت 1968 ص 365 _.
6 انظر ياقوت الحموي» نفس المصدر» ج 19» ص11.
7 - انظر :
Lamartine, Histoire de la Turquie, Paris, 1854, cite par H. Bammate, Visages de I'Islam, edit, Payot, Lausanne, 1946, p.13.
8- انظر:
M. Hamidullah, Le Prophête de ['Islam, sa vie, son oeuvre, Paris, 1992, 2 vol.
9- انظر:
M. Lings, Le Prophête Muhammad, sa vie d'après les sources les plus anciennes, Londres, 1983, traduction française par J.L. Michon, edit. Du Seuil, Paris, 1986.
0- انظر حسن ابر اهيم حسن- تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي»› مكتبة النهضة المصريةء ط 6» ج ض» ص 207.
-128-
د. سامية 1 ان
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997.
1- انظر :
V. Vaglieri, Fatima, in Encyclopédie de I['Islam, 2è édition, t.ll, p.861-870.
2- انظر ابن ای أصيبعةء عيون الأنباء في طبقات الأطباء» منشورات دار مكتبة الحياة» بيروت» 1965» ص 257.
3“ انظر نفس المصدر» ص 263-262. 4 اظ بر ولان قفن المصن» ضن 1860 75 انظر بروكلمان» نس المصدر› ص 185.
26- راجع عبد القاهر البغدادي› الفرق بين الفرق› ط. القاهرة» بدون تاريخ› ص 24.
7“ ط. مكتبة النهضة المصرية» القاهرة» 1950. 8- القاهرة» 1384 ه. 9- انظر :
H.A.R. Gibb, Abu Firas, in E.I., 2è édition, t.ll, p.122-123. .1887 تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة› ط. لندن» -0 .1931 انظر كتاب الصيبنة » نشر برلين»› -1
2- انظر المنقذ من الضلال» ط 3» المكتبة الانجلو-مصرية»ء القاهرة» 1962
ص 177. 33 راجع ترجمة الغزالي في إحياء علوم الدين» مطبعة الاستقامةء ج 1ء القاهرة.
اپ
-129-
Nizam al-Mulk, Siyasat Nama, introduction par J.P. Roux, édit. SIindbad, Paris, 1984, p.31.
5 راجع عيذ الرحمن البدوي»ء مۇلفات الغزالي» القاهرةء 1961 ص 83. 6- انظر :
B. Lewis, Islam et laicité: la naissance de la Turquie moderne: Paris, 1988, p.290.
=130=
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997.
العلإاقات الإ نكليزية الفرنسية وقضية فاشودة 1899-1898 د. عبد الكافي صطوف
جامعة دمشق -قسم التاريخ كانت القاعدة التي سيطرت على السياسة الفرنسية في الحقبة الأخيرة من القرن التاسع عشر»ء هي فكرة التوسع الاستعماري في إفريقية» على طول خط يبدأ من لوانجو على ساحل المحيط الأطلسي وينتهي على ساحل البحر الأحمرء بعرض القارة الإفريقيةء وبذلك يتقاطع مع الخط الذي فكر فيه الاستعماريون الإنكليز» بحيث تمتد ممتلكاتهم بطول القارة» من مستعمرة الكاب في أقصى الجنوب إلى القاهرة في أقصى الشمال. وكان تنفيذ الخطة الفرنسية في رأي البعض من الفرنسيين كفيلا بتحقيق نتائج معقولة من وجهة النظر الاستعماريةء وكان الهدف منها وقف تقدم الإنكليز في أعالي النيل"ء بعد احتلالهم لمصر في
عام 1882ء وتقدمهم لفرض سيطرتهم على السودان المصري. في 5 أيار من عام 1893ء عقد الرئيیس الفرنسي کارنو ١.۴.8. اجتماعا في قصر الاليزية في باريس» حضره وزير الدولة الفرنسي لشؤون المستعمر ات Sous-Secrtaire d' Etat aux Colonies دلكاس4 ر ا ن و ا و مونتوي .٥١†#11 وخلال الاجتماع؛ قال الرئيس بأنه يرغب بالضغط على الحكومة البريطانية من أجل إعادة فتح باب المفاوضات مع فرنسة حول القضية المصرية» ومن أجل إجبار إنكلترة على ذلك» اقترح إرسال حملة فرنسية لاحتلال مناطق معينة من الأراضي السودانية التابعة لمصر في منطقة أعالي
232
النيلء تكون بمثابة ورقة تبادل في يد فرنسة تسمح لها عند الحاجة بالاشتراك من مركز القوة بحل المشكلة المصرية والحصول على تنازلات كبيرة من جانب بريطانية» وقد اختيرت فاشودة من قبل الرئيس كارنو لأسباب أهمها:
أولا: إن فاشودة تقع على الضفة الغربية للنيل الأبيض» وقد أسستها الحكومة المصرية في عام 7م وجعلت منها عاصمة لمديرية مصرية في السودان» تعرف بمديرية النيل الأبيض.
ثانيا: إن فاشودة تعتبر بمثابة مفتاح لمصر بسبب موقعها الجغرافي عند ملتقى النيل بنهر السوباط.
ثالثا: إن فاشودة هي نقطة ذات أهمية استراتيجيةء لأن موقعها قرب نهر السوباط جعلها تسيطر على مسار أية حملة قادمة من مناطق بعيدة بطريق النهر» أضف إلى أنها تقع على امتداد الممتلكات الفرنسية والوصول إليها سهل ن
وعلى أثر هذا الاجتماع» طلب دلكاسه بتوجيهات من الرئيس كارنو من مونتوي تنظيم حملة استكشافية تنطلق من الأوبانجي «Haut Oubangui yel هدفها الوصول إلى فاشودة. وبالفعل غادر هذا الضابط الشاب مرسيلية في 16 تموز ووصل إلى لوانجو في غرب إفريقية في 22 أب من عام 1894ء وعندما هم بالمسير إلى فاشودة» أجل مشروع الحملة لبعض الوقت من قبل الحكومة الفرنسيةء نتيجة لدخولها في مفاوضات مع الحكومة البريطائية بشأن إيقاف الحملات الاستكشافية إلى أعالي نهر النيل. وصدر الأمر إلى مونتوي بتركيز نشاطه ضد ثورة نشبت في ساحل العاج» لكن المفاوضات الإنكليزية الفرنسية لم تنجح بسبب معارضة دلكاسه لهاء إذ كان يأمل أن تصل الحملات الاستكشافية الفرنسية إلى أعالي النيل قبل الحملات الاستكشافية الإنكليزية»›
-134-
مجلة دراسات تاریخية-العددان 60-59-کانون2-نیسان-1997.
وبذلك كان الأمر يمثل تسابقا بين كلا من فرنسة وإنكلترة من أجل الوصول إلى أعالي النيل.
في 14 آب 1894ء توضلت فرنسة بعد مفاوضات إلى عقد اتفاق مع دولة الكونغو الحرة» الذي أتاح لفرنسة مخرجاً إلى أعالي النيلء ووفقا لحاكم الكونغو الفرنسي دوبراز | 2 (eba فان ذلك كان الوسيلة الوحيدة لتسوية القضية المصرية وفقا لمشيئة فرنسةء لأن دولة الكونغو الحرة (التي تأسست في عام 1885-1884م وأصبحت ملكا خاصا لملك بلجيكة» والتي تحولت إلى مستعمرة بلجيكية في عام 1908)» تعهدت بالتخلي دون تأخير عن كل المراكز الحصينة في بحر الغزال التي تسد الطريق في وجه الفرنسيين في زحفهم نحو أعالي نهر النيل.
وعلى أثر تعبين ليوتار أإة؛ه1é حاكما على أعالي نهر الأوبانجيء (أحد روافد نهر الكونغو)» ضم مرسوم تعيينه إلى اختصاصه كل الأراضي الممتدة بين الفاشوء عاصمة دارفور وبانجي. ولم يراع الفرنسيون الأعراف والقوانين الدوليةء إذ أنهم بجرة قلم ضموا إلى مستعمراتهم الإفريقية مديرية دارفور السودانية التي كانت جزءا لا يتجزأً من السودان المصري.
في هذه الأثناءء وافقت الحكومة الفرنسية على خطة حملة جديدة» وذلك بعد أن أصبح دلكاسه وزيرا للمستعمرات»ء حيث أوكل قيادة الحملة الجديدة في تشرين أول 1894 إلى حاكم الأوبانجي ليوتار. لكن ليوتار اعتذر عن قبول القراء بتلك الحملة الاستكشافيةء وذلك بسبب قلة الإمكانيات التي وضعت تحت شو
هذه الحملات الاستكشافية التي كانت تحاول إرسالها إلى أعالي النيل من غرب إفريقيةء كان الهدف الحقيقي لها هو الضغط على إنكلترة من أجل
عاصمة دولة إفريقية الوسطى الخحالية.
-135-
الوصول إلى تفاهم حول القضية المصرية. ولم يكن القصد منها تحطيم الإمبراطورية الاستعمارية الإنكليزية» لان فرنسة لم تكن تملك القدرة على ذلك. فمنطقة أعالي النيل كانت بالنسبة للفرنسيين مجرد أداة ضغط لإجبار إنكلترة على فتح باب المفاوضات حول مصرء لأن القضية المصرية كانت بالنسبة لفرنسة عبارة عن مسألة تخص السياسة الداخلية لفرنسة»ء فالوصول إلى نوع من التفاهم مع إنكلترة حول مصر معناه إرضاء الرأي العام الفرنسي وتعزيته عن ضياع مصر.
في شهر شباط 1896ء وتحت إلحاح الكابتن مارشان» أحد مساعدي مونتوي» قررت الحكومة الفرنسية تكليفه بقيادة حملة استكشافية جديدة إلى أعالي النيل عن طريق غرب إفريقية وكانت الغاية الرسمية لها هي إيجاد اتصال مباشر بين الكونغو الفرنسي والحبشة»ء أما الهدف السري لهاء فكان إيجاد نقطة فرنسية في أعالي النيل»ء تكون بمثابة ورقة تبادل في يد فرنسة تسمح لها عند الحاجة بالاشتراك من مركز القوة بحل المشكلة المصريةء والحصول علسى تنازلات كبيرة من جانب بريطانية. وفي أسوأً الاحتمالات؛ فإن المناطق التي تشكل السودان المصري تعاد لمصر» وعندها توضع إنكلترة أمام الأمر الواققع إما قبولها أو دعوتها لعقد مؤتمر أوروبي لمعالجة مستقبل السودان المصري» وهذا بدوره يؤدي إلى طرح قضية الانسحاب الإنكليزي من مصر وهو ما كانت فرنسة تسعى إليه. وفي أحسن الاحتمالات فإن فرنسة ستضع حدا لطموحات إنكلترة بإيجاد اتصال بين الكاب والقاهرةء وبالتالي حلول فرنسة بالأسواق الإفريقية محل إنكلترة(. )
في 24 شباط 1896ء أصدر لوبون ١٥طء1ء وزير المستعمرات الفرنسي الجديد التعليمات التالية إلى مارشان: "في شهر أيلول من عام 1895 تقدمتم لسلفي بخطة استكشافية تقومون بها في أعالي نهر الأوبانجي على أساس مد النفوذ الفرنسي إلى النيل. ومن رأيكم الوصول إلى بحر الغغفزال» ثم النيل
-136-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997.
الأبيض وفاشودة aل0طءه۴» وخلال مسيرك في هذه البلادء ينبغي أن تعد نفسك للحصول على تأييد المهديةء فإن هؤلاء المهديين يناصبون العداء زعماء القبائل الذين وعدوهم بالمساواةء لذلك فإن دورك سيكون دقيقا جداء فيجب علينا أن نحافظ بأي شكل على علاقاتنا الطيبة مع سلاطين بحر الغزال ومبومو (أحد روافد نهر الكونغو)... ومعاملة المهديين بلطف من أجل الحصول على تقتهم". غادر مارشان فرنسة في 25 حزيران 1896 إلى الجابون 0۸طة6 ع[ حيث كان قد تم تعيينه قائدا لكتيبة المشاة السنغالية الثانية عشرة التي أخذت من القوات الفرنسية التي كانت متمركزة في الأوباونجي. وكانت إنكلترة قد وجهت تحذيرا سريا لفرنسة نقله سفيرها في باریس اللورد دفرین «ذ٣؟گا .1 في حزيران 1894ء جاء فيه أن تنفيذ المشروع الفرنسي باحتلال أعالي النيل التي تعتبر من ممتلكات خديوي مصر من شأنه أن يؤدي إلى صراع بين الدولتين› ثم قامت بتجديد هذا التحذير بعد ذلك ببلاغ رسمي في شير آذار من عام 186.
في 22 تموز 1896 وصل مارشان إلى لوانجو على ساحل غرب إفريقية برفقة ثمانية ضباط وطبيبا ومترجما واثني عشر من ضباط الصف ومئتي جندي سنغالي وسفينتين صغيرتين» وهذا كله بطبيعة الحال يعد بمثاببة وسيلة متواضعة جدا من أجل القيام بحملة استكشافية بالغة الخطورة والأهمية.
وعلى كل فإن بعثة مارشان لم تغادر برازافيل عاصمة الكونغو الفرنسي حتى شهر آذار من عام 1897ء حيث وصلت بانجي في بداية شهر نيسان وقرية زميو ۳10ع7.
في 3 آب» وعلى أثر رسالة عاجلة من ليوتار؛ قرآر مارشان تغيير خط سير البعثةء لأنه كان قد عقد العزم على استخدام نهر بالي من أجل الوصول إلى النيلء وذلك تجنبا للاصطدام بالقوات المهدية الضخمة» الأمر الذي
21372
يتعارض مع المهمة التي جاء من أجلها وهي عدم خلق أعداء لفرنسة في أعالي ال
إن تغيير خط سير بعثة مارشان خلق لها صعوبات جمة استلزمت جهداً ووقتاً كبيرين من أجل حلهاء واستخدامه طريق زمبو-طمبورة» ومن أجل الوصول إلى نهر سويح (الرافد الرئيسي لبحر الغزال) كان يجب عليه نقل القارب البخاري الذي يحمل الأسلحة والذخائر والمؤن مسافة 160كم برء وهذا ما دعاه إجبار آلاف الوطنيين لحمل القارب» بما فيه كل هذه المسافة إلى أقوب فرع للنيل يصلح للملاحة. دون أن يعذبه ضميره تجاه آلامهم وعذاإبهم في تحقيق مشروع لا يهمهم في شيء» خصوصا وأن وزير المستعمرات الفرنسي كان يتبجح في توصيته لمارشان بكسب ود الوطنيين»ء ووعده مارشان (الإنساني جدا) بحسن معاملتهم» وقد صدق وعده بإجبارهم على حمل السفينة مسافة 0 كم دون أن يحرك وزیره ساکنا.
وفي أثناء ذلك لم يكن الرأي العام الفرنسي على علم بماتقوم به الحكومة الفرنسية من جهود في هذا الاتجاه» أو ما ينفذه مارشان. وقبل ذلك› في شهر نيسان من عام 1896 بدأت الحكومة البريطانية في القيام بما أسمته حملة دنقله واهع«0(» وذلك بإرسال كتائب من الجيش المصري بقيادة ضباط بريطانيين تحت إمرة الجنرال كيتشذر»› لاحتلال الجزء الشمالي من السودان. نم عززّت هذه القوات المصرية»؛ وأرسلت بضعة كتائب إنكليزية للمشاركة في هذه الحملة قبل دخولها أم درمان والخرطوم.
في نهاية شهر آذار من عام 1898ء كانت مديرية بحر الغزال قد خضعت للمحطات الفرنسية المسلحة التي أقامتها بعثة مارشان» وقسمت المنطقة إلى ثلاث دوائر يديرها ضباط فرنسيون» وكتب مارشان يقول: أن بحر الغزال بأكمله لم يعد يخص إنكلترة إلا بموافقة فرنسة أو بقرار من مؤتمر دولي'. دون التلميح لا من بعيد ولا من قريب إلى ارتباط السودان بالسيطرة المصريةء
-138-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. عبد الكأافي صطوف
وهذا يثبت مدى التنافس الفرنسي-الإنكليزي على مصر وممتلكاتهاء دون إعارة أي اهتمام للسيادة الوطنية المصرية على السودان.
في 5 حزيران 1989 تابعت بعثة مارشان طريقها باتجاه فاشودة بعد أن أقامت مدة من الزمن في المحطة التي أقامتها في كوتشوك› والتي كانت قد أطلقت عليها اسم فورديزيه ٤ء2 »۴٠۲۲ ووصلت البعثة فاشودة في 10 تموز من العام نفسه» بعد فقدها لثلاثة ضباط فرنسيين وسبعين جنديا سنغالياء ثم قامت برفع العلم الفرنسي فوق أطلال القلعة المصرية القديمةء بعد أن كافح أفرادها كفاحا مريراء قاتلوا فيه الأهالي البدائيين» وصارعوا الحميات» وعبروا الجبال واخترقوا الغابات المظلمة الكئيبةء كل ذلك من أجل (عمل نبيل)» وهو إجبار مستعمر آخر لمصر وهو إنكلترة بفتح باب المفاوضات حول مصر من أجل أن يفسح المجال لفرنسة بتقاسم النفوذ هناك. لم يحدث وصول بعثة مارشان إلى فاشودة أية ضجة في الصحافة الفرنسية ولا في الرأي العام الفرنسي» لأنهما لسم يكونا على علم بذلك» حتى أن وزير الخارجية الفرنسية دلكاسه نفسه كان يجهل وصول البعثة الفرنسية لفاشودة في 11 أيلول 1898.
إن وصول بعثة مارشان إلى فاشودة لم يلاق ترحييا من الوطنيين السودانيين. فقد حاول المهديون مقاومة الفرنسيين» وذلك بإرسال أسطول نهري بقيادة الأمير سعيد صغير عندما علموا بوجودهم"'ء لكن الفرنسيين أحرزوا نصرا على الأمير وقواته في 25 آب 1898. إلا أن أنصار المهدية حاولوا شن هجوم بري كبير على فاشودة بقيادة الأمير سعيد صغير نفسه في 29 آب من العام نفسه» إلا أن عودة الزورق الحربي الفرنسي الذي كان مارشان قد أرسله للاستطلاع في نهر السوباطء ادى إلى إنقاذ البعثة الفرنسية في فاشودة مهن المهديين» وعدول الأمير المهدي عن مهاجمة فاشودة بعد رؤيته الزورق الحربي الفرنسي(”'.
=139=
العلاقات الإنكليزية الفرنسية وقضية فاشودة.___
على أثر انتصار الجنرال كيتشنر على المهديين في معركة أم درمان؛ في 3 أيلولء وبعد دخوله مدينة الخرطوم» علم بوجود بعثة مارشان في فاشودة فأاسرع بالذهاب إلى هناك بالسفن النهرية على رأس قوات مصرية وإنكليزية مزودة بأحدث الأسلحة» إذا ما قورنت بما كان لدى مارشان من معدات حربية. وذلك من أجل إعادة منطقة فاشودة إلى الحكم المصري وبالتالي إلى السيطرة الإنكليزية.
في 15 أيلول 1898 احتل كتيشنر منطقة الدنك التي تبعد حوالي 450كم إلى الجنوب من الخرطوم» وأدى صدام بسيط مع الأسطول المهدي» الذي يقوده الأمير سعيد إلى أسره» واستيلاء كيتشنر على الباخرة السودانية والإحد عشر قارب نهريا التي كان الأمير يقودها. وفي 18 أيلولء أضحت القوات الإنكليزية المصرية على بعد حوالي 20كم من فاشودة.
في هذه الأثناء» رفع الحظر الإعلامي الذي كان مفروضا من قبل الحكومة الفرئسية على أخبار بعثة مارشان ونشاطها. لقد شار الرأي العام الفرنسي عند إطلاعه على الأنباء التي تقول بوجود حملة فرنسية بقيادة الكومندان مارشان»؛ وأخرى إنكليزية يقودها الجنرال كيتشنر» والتي تفوق بكثير التي لم تكن تاخذ طابع الحملة العسكرية. لقد علقت الصحافة الفرنسية والرأي العام الفرنسي الآمال على وزير الخارجية الفرنسية الجديد داكاسه»ء الذي حل u هانوتو في الوزارة الفرنسية الجديدة التي شكلها بريسون ١٥ءء8 في 28 حزيران 1898م» بأن يمارس سياسة ذكية وحازمهة وأن يحسن دعم بعثة مارشان في فاشودة.
في 19 أيلول وصل كيتشنر وقواته إلى فاشودةء وبعد اتصاالات بين الطرفين» حصلت مقابلة ودية بين كيتشنر ومارشان اللذين حاولا تجنب أي اصطدام بین ا(1( »> عندما دخلا في صلب الموضوع؛» خصوصا عندمهاقال كيتشنر : بأن وجود الفرنسيين في فاشودةء وفي منطقة أعالي النيل يعتبر اعتداء
-140-
مجلة دراسات تار يخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. عبد الكافي صطوف
صريحا على حقوق مصر» وأنه طبقا للاوامر الصادرة إليه يحتج بشدة على احتلال الفرنسيين لفاشودة» ورفع العلم الفرنسي في ممتلكات صاحب الجلالة خديوي مصر؛ وبأن لديه أوامر من الحكومة البريطانية بإعادة السلطة المصرية إلى مديرية فاشودة.
ووضع کيتشنر زورقا حربيا بريطانيا لنقله هو وبعثته شمالا. وقد أجاب مارشان: بأنه جندي لا يملك سوى إطاعة الأوامرء وأن تعليمات حكومته تقضي باحتلال بحر الغزال» ومديرية فاشودة صريحةء ولا تقبل التأويلء وأنه أتم تنفيذها بات لزاما عليه أن ينتظر أوامر جديدة عن أعماله وتحركاته المقبلة من فرنسة... وقال أنه بالنسبة لهذه الظروف يشعر بالتاكيد أن حكومته لن تتاخر في إرسال الأوامر بالانسحاب» وأنه والحالة هذه يرجو أن يفيد من العسرض الذي قدمه كيتشنر.
قال كيتشنر: هل أفهم أن الحكومة الفرنسية قد أذنت لك بمقاومة مصر في رفع رايتها وإعادة سلطتها في ممتلكاتها السابقة كمديرية فاش-ودة؟ تردد مارشان قليلا وأجاب أنه ليس في وسعه أن يقاوم رفع العلم المصري» وانتتهى الطرفان بالاتفاق على رفع العلم المصري على بعد 500 ياردة من الطرف الجنوبي للقلعة المصرية. وهذا معناه وضع المعسكر الإنكليزي على طريسق اتصال البعثة الفرنسية بالمناطق الداخليةء مما ينتج عنه وضع بعشة مارشان تحت رحمة الكتيبة الإنكليزية التي تركها كيتشنر في الموقع بقيادة رائد بريطاني'. في نهاية الاجتماع الذي عقد على ظهر سفينة القيادة لكيتشنرء قرر الاثنان الرجوع إلى حكومتيهما حول الموضوع. هذا الاجتماع لم تنشر أخباره بشكل رسمي إلا من قبل صحيفة التايمز اللندنية في 27 أيلول 1898.
في 28 أيلول» صرح دلكاسه وزير الخارجية الفرنسية لادمون مونسون Mons .5 السفير الإنكليزي في باريس» بأن مارشان غير مخول بمعالجة
-141-
العلاقات الإنكليزية الفرنسية وقضية فأاشودة. ___
الملح بسحب بعثة مارشان فورا من فاشودة وحجته في ذلك هو انتظاره لوصولل تقرير مارشان» وذلك قبل البدء بالمفاوضات'. أما بالنسبة للقائم بالأعمال الفرنسية في لندن جيوفري رهگه 6 فقد انتقد موقف الصحف البريطانية التي حاولت إيهام الرأي العام البريطاني بأن استقرار الفرنسيين في فاشودة هو اعتداء على مصالح مصر وبريطانية في منطقة أعالي النيل'.
اما وه الا ت الارن حورل اتاب ب مار هان جا الد ريطاي اما بان 'بعد العمليات الحربية التي تَمّت بقيادة الجنرال كيتشذر
في أعالي النيل فإن كل الأراضي التي كانت تابعة للمهدي محمد أحمد قد انتقلت
ملكيتها إلى الحكومتين المصرية والإنكليزية بمقتضى حق الفتح» وأن الحكومة البريطانية ترى أن هذا الحق لا يقبل أي مناقشة"'» وأعقب ذلك دخول إنكلترة وفرنسة في مناقشات قانونية حول حق الفتح مع تقديم كل منهما الحجج التي تؤید موقف کل منهما:
وأول تلك الحجج نظرية أن السودان يعد بمثابة أرض بلا مالك» او ملك مباح» فكان رأي دلكاسه أن مصر فقدت 2 منذ عهد طويل» وأن هذا هنو مبدأ الحكومة الإنكليزيةء التي لم تتردد في أن تضم أجزاء منه لحسابها الخلص وهي المديرية الاستوائيةء فكيف يكون لإنكلترة الحق في حرية العمل a ترفض السماح لنا (لفرنسة) بذلك)'. وهذه النظرية لها أهميتهاء فلو أن هناك دولة أوروبية عاملت السودان على أنه ملك مباح فهي بلا شك إنكلترة التي فتحت باسمها المديرية الاستوائية وبلاد أوغندة وزيلع وبربرة» وهي التي تخلت عن هرر واتفقت مع ألمانية وإيطالية والحبشة على اقتطاع أجزاء من السودان الذي فرضته على الخدوي وحكومته فرضا. ورأى الفرنسيون أنه ليس من العدالة في شيء إبعاد فرنسة عن النيل بينما سمح للألمان والبلجيكيين بذلكء ثم أن مارشان رغم قوته الصغيرة استطاع أن يضع يده على مديرية بحر الغزال. ويمكننا القول إنصافا للحقيقة أن إنكلترة واصلت اتباع سياسة التصرف في
42
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-کانون2-نيسان-1997. ___ د عبد الكافي صطوف
الممتلكات المصرية في إفريقية على أساس أنها ملك مباح حتسى عام 1895. وبعد ذلك التاريخ توقفت عن اتباع تلك السياسةء وبدأت تنظر إلى السودان على أنه أرض مصرية نظرا لأن وضع إنكلترة في مصر بدأ يتوطد من ناحية» ومن ناحية أخرى بدأت الحبشة وفرنسة تتطلعان لانتزاع أجزاء مهن السسودان لحسابهماء فلم يعد أمام إنكلترة سوى الاعتماد في صراعها على اسم مصر وحقوق مصر..
وبالرغم من ذلك كان موقف إنكلترة ضعيفا فهي: ليست مسن الناحيسة القانونية في وضع الدولة التي تخضع مصر لحمايتهاء وسلطتها في مصر قائمة على أساس من الواقع ماعو ةل ولیس على أساس من آلقانون»ء فضلاً على أن خديوي مصر والسلطان العثماني والدول الأخرى لم ينتدبوها للتح-دث باسم مصر» وهي حتى لو افترضنا أنها نالت هذا الحق القانوني من خدوي مص-سر فهو باطل وفقاً لنصوص فرمانات تونية الخديوي“".
لقد قامت بريطانية بالضغط على مصبرء بالرغم من ساامة هذه ال جج لكي يبعث وزير خارجيتها بطرس غالي رسالة إلى إنكلترة ردا علسى مدكرة لورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر وجاء في الرسالة ما يلي:
"إن حكومة خديوي مصر لم تخل في يوم من الأيام عن فكرة امسدرداد مديريات السودان.. التي لم تنسحب منها إلا تحت ضغ ط ظروف ق اأهرة... ونظرا لأنه قد علمنا أن مسألة فاشودة في الوقت الحاضر موضوع لمباحتسسات بين برزطانية العظمى وفرنسةء فإن الحكومة المصرية كلفتني أن آرجو جد.-ابكم لبذل المساعي الحميدة لدى لورد سالزبوري للاعتراف بدقوق مصر التسسسي لذ تقبل أي نزاع أو معارضةء ولتعود جميع المديريات التي كانت تحتلها حى قيام
ج م سض . م ا . بى اڅ 19{ ثورة محمد أحمد»ء والتي انسحبت منها مؤقتاً وللضرورة اد"
“143
غالي إلى المعتمد البريطاني في مصر لورد كرومر تشمل مديرية بحر الغزال حيث احتلت بعثة فاشودة بعض النقاط الهامة فيهاء مما أعطى لفرنسة حقوقا
فيها كما تدعي» وحتى لو سلم الفرنسيون بحقوق مصر فماذا عن حقوق إنكلترة؟ وعلى أي أساس تستند تلك الحقوق؟
لقد قسر البعض بأنه وقد تم القضاء على الثورة المهدية في السودان بقوات مشتركة مصرية وبريطانيةء فإن الحقوق المصرية تعود بالتالي» مما يعطي بريطانية حقوقا جديدة خاصة بهاء وبالرغم أنها ليست مبررا كافي)ء إلا أنها كانت مجدية في النهايةء إذ أن تسوية النزاع بين إنكلترة وفرنسسة حول أعالي النيل قامت على أساس اعتبارات مبهمة لعب فيها التسلح والتحللف دورا أكثر أهمية من المنطة(°.
في 26 تشرين أول 1898ء وصل أخيرا إلى باريس تقرير الكومندان مارشان» وكان غير كامل لأنه لا يلمح لا من بعيد ولا من قريب إلى الاجتماع الذي تم بينه وبين کيتشنرء هذا التقرير لم يحمل في طياته أي إرضاء للمطامح البريطانية.
في هذه الأثناء» وبالرغم من التوتر بين إنكلترة وفرنسة حول قضية انسحاب بعثة مارشان من فاشودة»ء وبالرغم من الاستعدادت الحربية والبحرية لكلتا الدولتين»ء فإن الدبلوماسية لعبت دورا هاما في تخفيف حدة الأزمةء لأن دلکاسه کان مستعداً ومنذ بداية شهر تشرين أول تقديم تنازلات من أجل إيجاد حل نهائي لمشكلة فاشودةء لكن مقابل بعض التعويضات من قبل إنكلترة» وكلن لا يستطيع الجهر بذلك خوفا من إثارة الرأي العام الفرنسي. وقد اقترح في نهاية الشهر نفسه على لورد سالزبوري الذي كان يعتقد بأنه لم يكن ضد الوصول إلى اتفاق حول مشكلة فاشودة بتعيين لجنة مشتركة إنكليزية فرنسية من أجل تحديد مناطق النفوذ لكلا البلدين. وفي الوقت نفسه» كان السفير
-144-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997.
دوکورسیل یحث وزیره دلکاسه على عدم المقاومةء لأنه کان یطمح ویری بلده فرنسة تخلي فاشودة بأاسرع ما يمكن» لأن فاشودة حسب رأيه ليس لها أية قيمة حقيقية تخدم المناطق الفرنسية في إفريقية. هذا الانسحاب حسب راي دوكورسيل يزيل عامل التوتر والغضب الذي يخيم على العقلي ة البريطانية»ء وبالتالي لن يكون هناك أي عائق أمام بدء المفاوضات بين الجانبين من أجل تحديد مناطق النفوذ لكل منهما في منطقة اعلی النيل(2.
في بداية شهر تشرين الثاني 1898› سقطت الوزارة الفرنسية التي كان يترأسها بريسون وتشكلت وزارة جديدة برئاسة دوبوي اما( بققي فيها دلكاسه وزيرآ للخارجيةء وقد صر حت هده الحكومة في 3 نشرين ٿاني٬ بأنها مصممة علی عدم بقاء بعثة مارشان في فاشو دة( وفي نفس اليوم» أصدر دلكاسه أمرا للكومندان مارشان بالانسحاب من فاشودة متحججا بالحالة الصحية والشروط الحياتية لأفراد البعثة الفرنسية.
هذا الفشل الفرنسي في أعالي النيل يجعلنا نتسائل عن العوامل التي دفعت فرنسة إلى التراجع عن موقفها المتشدد بعدم الانسحاب من فاشودة؟ لا البعد الجغرافي ولا الرغبة في كسب الوقت كانا كافيين لتبرير الفراغ في تسلسل الأحداث التي أذت إلى اتخاذ هذا القرارء لكن بالتأكيد كان الجانب الإنساني هو الشغل الشاغلء للحكومة الفرنسية: SESE تكون فيها فرنسة في حالة من القوة اضعف بكثير من إنكلترة في البحر» فضلا
عن أن الحكومة الفرنسية قد لاحظت أن إنكلترة مصممة على أن تعالج مسالة أعالي النيل على أسس عسكرية» فلم يكن هناك أي جدوى بالالتجاء إلى الدبلوماسية»؛ وبالتالي فإن الحرب من أجل مصر خرجت من حساب الفرنسيين منذ عام 1840ء حين تخلوا عن والي مصر محمد علي باشا وترکوه يواجه اوروبة ؤالسلطان العثماني بمفرده. أضف إلى ذلك إن الحكومة الفرنسية كانت تشعر بأن الرأي العام الفرنسي كان منقسما على نفسه» ومنشغلا بصورة
-145-
أساسية بتطورات قضية الضابط اليهودي دريقوس» بعد ظهور معطيات جديدة تؤكد براءته» ودعم كبار السياسيين أمثال جورج كليمنصو زعيم الوسط اليساري» وجان جوريس زعيم الاشتراكيين» وكبار الكتاب الفرنسيين أمثال أميل زولاء وأناتول فرائس لهذه المعطيات» لم يكن مستعدا لتأييدها في حالة نشوب حرب مع إنكلترة من أجل أعالي النيلء في الوقت الذي يغتصب الالمان الالزاس واللورين.
من ناحية أخرى» كان من الممكن لفرنسة أن تقف في وجه بريطانئية العظمى وتشعر بالأمن في نفس الوقت من جانب ألمانيةء لو أن حليفتها روسية وعدت بتقديم المساعدة» ففي أثناء أزمة فاشودة رفضت روسية أن تؤيد فرنسة ضد إنكلترة» ثم أن علاقات روسية غير الواضحة والملتوية مع ألمانية تركست فرنسة مكشوفة وعاجزة أمام عدوتها التقليدية في أوروبةء لذلك وبينما كانت إنكلترة في فاشودة تتعامل ببساطة في مسألة استعمارية إفريقية صرفةء كان الأمر بالنسبة لفرنسة يتضمن حسابات لتوازن القوى في أوروبةء بعد أن أت التحالف الروسي-الفرنسي الذي وقع في عام 1893ء وسط الأحداث أنه لا يزيد عن كونه رابطة أفلاطونية(. تاغل الزائ اتقام فى هذه الأقاء: من هو المغيرول عن قفشل فافتودة ' هل هو رئيس الجمهورية الفرنسية فیلکس فور eإںه۴ .۴؟ بالتأكيد لاء لانه لم تكن السلطة الفعلية بين يديه» ودوره كان تمثيليا بحتاء لقد طرح فيلكس فوراً السؤال نفسه في مذكراته التي كتبها بين 7 تشرين الثاني وحتى نهاية عام 8؛ على من يرتكز الفشل الذي حصل في فاشودة؟ وفقا للرئيس فور أ والأوساط اليمينية”» والأوساط الاستعمارية الفرنسية: الفشل يرتكز على وزير الخارجية الفرنسية الأسبق غابرييل هانوتو ×سهاهمة# .6 وعلى دلكاسهء وفقا لليسار المتطرفت .*DExtrême Gauche
-146-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997.
من هنا نستنتج بأن كل حزب سياسي في فرنسة حمل خصمه مسؤولية الإنسحاب من فاشودة. فاليمين الفرنسي المتط رف )د٣ل ٤×٣٣ تغنضى بانتصارات فرنسة في الجزائر زمن شارل العاشر بالرغم من التهديد الإنكليزي»ء وحمل النظام الجمهوري مسؤولية ما حدث» متهما وزير الحربية والبحرية والجنرالات والأميرالات والسياسيين الآخرين بأنهم غير أكفاء وبأنهم ينحنون أمام الأوساط الاشتراكية. أما الراديكاليون الفرنسيون فققد حمَلوا الوطنيين المتطرفين المسؤولية المباشرة لما حل بفرنسة من إذلال ومهانة.
على كل وبالرغم من الإهانة المؤلمة التي اصابت فرنسة بسبب إجبارها على الانسحاب من فاشودة»ء فإن المحادثات الفرنسية الإنكليزية بدأت من جديد» وبطلب من فرنسة» التي عينت في 8 كانون أول 1898 بول كامبون اuو۴ 0ه سفير ها في القسطنطينية سفيرا لها في لندنء لإظهار حسسن نيتهاء لأنه قام بدور كبير بتذليل الصعوبات لحل المشكلة الأرمنيةء والذي أبدى روحا من التعاون مع دبلوماسيي بريطانية العظمى إبان مدة تعيينه سفيراً لفرنسة في القسطنطينية". هذا التعيين من جانب الحكومة الفرنسية لبول كامبون في لندن كان الهدف منه تسهيل مهمة الدبلوماسيين الإنكليز في المفاوضات المرتقبة لأنهم كانوا على أتم وفاق معه.
اما بالنسبة لمارشان فقد أثار غضب حكومته لأنه غ ادر م موقعه إلسى القاهرة بدون إذن منهاء وقد صدرت التعليمات إليه بالعودة إلى قاشودة لترحيل قواته حيث تم ذلك في 11 كانون أول 1898ء بعد استلام موافقة الحكومة البريطانية بالسماح له ولبعثته بالعودة لفرنسة عن طريق نهر السوباط والحبشة الشدزمال الفر نسي وناك وفقا لما فتاه ولف ول إلى فرئمة خلال فهر أيار من عام 1899ء وبذلك انتهت الجهود التي بذلت للوصول إلى أعالي النيل واحتلال فاشودة بدون نتيجة وذلك بسبب غموض المسالة المصرية والتشأخير الذي لا يصدق في تنفيذ المطالب الفرنسية في حل هذه المشكلة.
-147-
في 21 آذار 1899ء وبجهود السفير الفرنسي الجديد في لندن بول كامبون تم التوقيع على اتفاقية بين إنكلترة وفرنسة بعد مفاوضات طويلة› أعطت لفرنسة جميع المناطق التي تقع إلى الشمال والشمال الغربي من بحيرة تشاد وحتى خط تقسيم المياه بين حوض الأوبانجي وبحر الغزالء أما حوض النيل؛ فقد ظل على الجانب الآخر كمنطقة نفوذ بريطانية وبذلك توصات إنكلترة وفرنسة إلى تسوية تحدد مناطق نفوذهما في وسط القارة الإفريقيةء وذلك علسى حساب الشعوب المستعمرة من قبلهماء هذا الاتفاق عرف باتفاق آذار 1899ء لم يحمل في طياته لفرنسة أية امتيازات؛ وبالتالي فإن الحكومة الفرنسية»ء أرادت أن تظهر لمنافستها إنكلترة بأنها تخلت عن كل مطامحها في الهيمنة على السودان المصري» وعن سياستها السابقةء بعد أن أظهرت قضية فاشودة بأن إنكلترة لا يمكن طردها من مصر إلا بالحرب» ومهما يكن من أمر فإن الخلاف . حول فاشودة مهد الطريق لتسوية المسالة المصرية نهائيا بعد توصل فرنسة و انکلتر 5 إلى توقيع الاتفاق الودي ل۲٣ م٤86۲ في نيسان من عام 4 التي اعترفت فيه فرنسة لإنكلترة بتفوقها في مصر» كما أن إنكلترة اعترفت لفرنسة بتفوقها في مراكش» وبذلك انتهت فترة التنافس الاسستعماري بين الدولتين» والفضل يعود إلى وجود رجال في إنكلترة وفرنسة كانوا يعتقدون بان الخلاف بين الدولتين كان خلافا عابراء وأن المصلحة العليا الحقيقية لكلتشا الأمتين تتطلب تقاربا مخلصا ودائماً.
-148-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997,
TA LRN TY u O 1- Castellani: Marchand, L ’African, Paris. PP 113-114-Cite par محمد سيد أحمد: أزمة فاشودة» مجلة البحث العلمي/مجلد 33› ص499.
-2 محمد سيد أحمد: المرجع نفسه» ص500
3- Renouvin, Pierre: les origines de [Expédition de Fachoda- Revue, Historique. P. U. F. Paris 1948-p.184-185.
4- Cocheris, J: Situation Internationale de [Egypte et de Soudan, Paris 1903, PP430-431; Michil: Vers Fachoda, Paris 1901- pp.3-5. Cite par:
.501 محمد سید أحمد: المرجع نفسه» ص 5- le Correspondant: Paris-25 Janvier 1898-pp.373-388, et
-Letters de Marchand-Novembre 1898 dans Renouvin: op. Cit-P. 190. ۰
-Shibeika: British Policy in The Soudan-London 1952. P391. Op. Cit par:
6- Castellani: op. Cit P:243. محمد سيد أحمد: المرجع نفسه» ص505-506 -7
8 نعوم شقير : تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيّه» القاهرة 1903- الجزء الثالث» ص650 إلى 651.
-149-
9- Vatin. E: la Rivalité sur Fachoda, Chaumont 1932.P44.
10- Castellani: op. Cit; pp281-284.
11- Mugodot; 1’Opinion Anglaise et Affaire de Fachoda-dans la Revue de 1’ Histoire des Colonies-Paris-Tome 44 ler Trimestre 1957.P115.
2= نعوم شقير : المرجع نفسهء ج3 ص652
13- Documents Diplomatiques Francais, ler serie-Tome XIV. De. Delcasse a Geoffray chargé d’ Affaires de France ۾ Londres, 28 Septembre 1898-N 386-P595.
14- Ibid: de Geoffray a Delcassé —29 septmbre N 391-P601.
15- de Card. E. R. Traités de délimitation concernant 1° Afrique Française. Paris. 1910 P. 160.
16 -Ibid. P. 166. 17- Cocheris. Op. Cit-P477.
18- Giffen. M. B: the Fachoda incident and the Diplomatic, Setting, Chicago 1930-P.64.
19- D. D. F: de Delcassé da de Courcel-29 octobre 1898, N 464-pp 725-726. )
20- Ibid: de Courcel a Delcassé -3 Novembre 1698, N 480 —-P. 751. 21- Ibid: 3 Novembre 1898-pp 752-753. 518 محمد سید محمد: المرجع نفسه؛ ص: “2
23- Giffen. Op. Cit. Pp 182-184.
-150-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997.
انظر محمد سيد محمد: المرجع نفسه ”ص522 Faure Felix: Fachoda: Revue de 1’Histoire Diplomatique-69e -24 Annee —Parıs 1955 pp 29-39, U Autorité: 9 Novembre 1898. -25 la Depêche Coloniale 5 Novembre 1898. -26 la Justice: 19 Novembre 1898. -27 Autorité: 19 Novembre 1898. -28 le Radical: 8 Novembre 1898. -29 D. D.F. 8 Decembre 1898-N 563, P 863- Note 2. -30
19 [=
أو المسادر باللغة العربية.
2 نعوم شقير : تاريخ السودان القديم والحديث وجغر افيتسه› القاهرة 1903- الجزء الثالث.
2- محمد سيد محمد: أزمة فاشودة: مجلة البحث العلمي» القاهرة /1980/ مجلد 33
افيا : خسادر وعراجع أ جزبية:
A.Source Imprimées:
— Documents Diplomatiques Francais: Abrévation: D. D. F. lere Série-Tom XIV, 28 Août 1896-20 Décembre 1898 affaire du Haut-Nil et du Bahr-el-Gazal.
—- Livre Jaune: Correspondence et Documents relatifs ad la convention anglo-Française du 14 Juin 1898..
B.Journaux et Revues: a.Journaux: - L’Autorité — Paris 1898. (Journal d’ Extreme droite).
- la Depêche Coloniale-Paris 1898 (Journal du milieu colonial).
- la Justice-Paris 1898 (Journal d’ Extrême Gauche).
152
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997,
- le Radical-Paris 1898 (Journal des Radicaux).
د. عبد الكافي صطوف
b.REVUES:
- le Correspondant —Paris 1898. - la Revue de 1’ Histoire des Colonies Paris 1957. - la Revue de 1’ Histoire Diplomatique —Paris 1955.
- la Revue Historique —~Paris 1948.
C.Ouvrages Généraux Et Particuliers:
Cocheris. J: Situation Internationale de 1 Egypte et du Soudan —Paris 1903.
Castellani: Marchand, 1’ Africain, Paris.
-de Cord. E. R. Traités de delimitations concernant 1’ Afrique
Francaise, Paris 1910.
-Darcy Jean: France et Angleterre-cent-annêées de Rivalitê Coloniale — 1 Afrique Paris 1904.
-Ganiage Jean: Expansion Coloniale et les Rivalitês Internationales de 1871 a 1914 —les Cours de la Sorbonne. Tome XA.
-Giffen. M. B: The Fachoda Incident and the Diplomatic Setting, Chicago 1930.
Reculy: la I[][]èême République Paris 1927. Ronze: la Question d’ Afrique, Paris 1918.
-153-
-Schefer, C: D’une Guerre ù [’autre. essai sur la Politique Extérieure de la 3ème République 1871 a 1914. Paris 1920.
-Shibeika: British Policy in the Soudan London 1952.
-Vatin. E. la Rivalité sur Fachoda —Chaumont 1932.
-154-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. طليعة الصياح
مكانة "الفيلق الغرب -فصيلة التدريب الألمانية العربية'
فل الخطط ال ستراتيجية والسياسية لدول المحور فلي البلاد الغربية
أثناء الحرب الغالمية الثانية د. طليعة الصياح جامعة دمشق-قسم التاريخ
باستلام الدكتاتورية النازية السلطة في ألمانيةء خلقت الدوائثر الرجعية المالية الألمانية الشروط الأساسية للسياسة التوسعية. وقد طمعت النازية الألمانية بتوسيع مناطق السيطرة باتجاه البلاد العربية» حيث كانت دول المنطقة العربية ذات أهمية استراتيجية في خطط الحرب المحوريةء لما تحتويه من مواد خام هائلة وسوق تصريف هائل من أجل إنتاج دول المحور". بالإضافة إلسى ذلك فقد كان المحور مهتما بإثارة الوضع السياسي في المنطقة العربية الواقعة تحت السيطرة الفرنسية والبريطانية. ومن اجل ضمان شروط مناسبة لجيسش الرايخ الالماني Reichswehr في أوروبة» وجب على إيطالية الفاشية ضمانا للإستراتيجية العالمية النازية الألمانية أن تقود الحرب ضد فرنسة وبريطانية في الشرق العربي. وبالرغم من أنه في بداية الأمرء اتبعت ألمانية وإيطالية خطة مشتركة» إلا أنه في النهاية تابعت ألمانيةء إيطالية واليابان أهدافها الخاصة.
عد هتلر الحرب في المتوسط وشمال إفريقية والشرق العربي» حروبا جانبية ثانوية بالنسبة إلى هدفه الرئيس وهو احتلال الاتحاد السوفيتي. ولذا فإنه
روك
أفريقية الشمالية برئاسة أروين رومل ۸٠۳۳61 مس8 فإنه كان يريد إنقاذ شریکه بنیتو موسولیني 1ہناoوMus 0 فقط. وفعلا استطاع رومل في عام 1 في اثني عشر يوما احتلال المواقع الإنكليزية في شمال إفريقيةء وطوق طبرق ووصل إلى البرديةء التي لا تبعد إلا بضعة أميال عن حدود مصر. وبذلك تعرض مركز بريطانية كله في مصر والسويس للخطر. وأصبحت سيطرة بريطانية على شرقي المتوسط معرضة لخطر هائل» وطلب رومل الإمدادات لمواصلة زحفه شرقا ولكن هتلر كان مصمما على تصفية الحساب مع الاتحاد السوفيتي أولا.
وحثت القيادة النازية هتلر على استغلال الأوضاع الجيدة في العراق» سيما وأن رئيس وزراء العراق الجديد» رشيد عالي الكيلانيء الذي كان ميالا إلى الالمانء ينوي الهجوم على القواعد الجوية الإنكليزية في الجبانية القريية من بغدادء لكن القيادة النازية ماطلت وتريثت وقدمت أخيرا مساعدة قليلة للثورة في العراق» بالرغم من وعود المحور في مساعدة الثورة. ففي 18 نيسان نزل في البصرة لواء من الفرقة الهندية العاشرةء وفي 27 نيسان نزلت قوات إنكليزية هندية احتلت البصرةء ورت القوات العراقية في 30-29 نيسان 1941 بتطويق القاعدة البريطانية في الحبانية وإرسال قوات إلى مدينة الرطبةء وبعد مفاوضات عقيمة بدأت القوات البريطانية بالهجوم على القوات العراقية في 2 أيار واستمر الهجوم حتى 29 أيارء وأسفرت العمليات عن هزيمة القوات العراقية وسقوط حكومة رشيد عالي الكيلاني(”.
اكتفت ألمانية بإرسال الدکتور فریتس غروبا aططهإ6 ٤ذ۴ .51 إلى العراق» حيث وصل إلى حلب في 9 أيار. وفي 25 أيار وصل إلى الموصل وبغداد ومعه طائرتان مقاتلتان وتبعته بعثة جوية فيه ثلاث مقاتلات يرأسها الفيلد مارشال الميجر فون بلومبرغ عe۲ ا810 ۷٥١۸ لقيادة ثورة اعراق إلا ن بلومبرغ قتل أثناء نزوله في بغداد» وخلفه يونك kع«ںل قائد العمليات لسلاح
n
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. طليعة الصيا
الطيران الألماني في العراق. كذلك جرى في 6 أيار 1941 اتفاق بين ألمانيية وحكومة فيشي رطه¡۷ حول نقل أسلحة من سورية إلى العراق»ء وأصدر هتلر في 3 أيار تعليماته رقم 30 الخاصة بمساعدة العراق»ء وقد جاء في مقدمة هذه التعليمات ما يلي:
1- (إن حركة التحرر العربية في الشرق الأوسط هي حليف طبيعي لنا في محاربة إنكلترة وفي هذا السياق تتسم الانتفاضة في العراق بأهمية خاصةء وهي إذ تتعدى نطاق الحدود العراقيةء تعزآز القوى المعادية لإنكلترة في الشرق الأوسط وتثير الخلل في طرق المواصلات البريطانيةء وتفيد القوى المعادية لإنكلترة في الشرق الأوسط وتقيّد القوات البريطانية والاسطول البريطاني كذلك» إذ لا يتيح استخدامها في المسارح الأخرى اللعمليات الحربية).
2- تطويرا لقراراتي الفرعية آمر بتقديم مساعدة إلى العراق عن طريق إرسال بعثة عسكرية وطائرات وأسلحة.
3- البعثة العسكرية (التسمية الاصطلاحية: الأركان الخاصة ف )Sonderstabes F تخضع لجنرال سلاح الطيران فيلمي ١ء1 a1إGene »۴1ieyer Felmy مهمتها هي: تخصيص مستشارين لأجل القوات المسلحة العراقية وتقديم مساعدة لهاء وإقامة روابط عسكرية مع القوى المعادية لبريطانية بما في ذلك خارج العراق» وجميع المعلومات عن هذه المنطقة وتعميم التجربة لأجل استخدامها في القوات المسلحة الألمائية.
وطبقا لهذه المهام يعين قائد أركان القيادة العامة العليا قوام البعثة.
99
مكانة "الفيلق العربي -فصيلة التدريب الألمانية العربية".
نظاء المرؤوسية:
س يخضع لقائد البعثة العسکرية Militarmission جميع أفر اد القوات المسلحة الألمانية المرسلين إلى العراق وكذلك أركان الارتباط القائمة في سورية. |
ب- قائد البعثة العسكرية يخضع لقائد أركان القيادة العامة العلياء باستتناء الاو امر والتعليمات الموجهة إلى وحدات الطيران يعطيها القائد العام
ج-قائد البعثة العسكرية يتعامل فقط مع المنظمات العسكرية للعراق. أما المفاوضات مع العراق التي تتعلق بالبعثةء فيقوم بها ممثل وزارة الخارجية في العراق.
د- أعضاء البعثة العسكرية يعتبرون لفترة ما متطوعين على غرار فرقة كوندور إ0ل«سه٣ مداع (التي شاركت في الحرب الأهلية الإسبانية). ويترتب عليهم ارتداء بزة عسكرية استوائية بشارات رتب عراقية» وأمثال هذه الشارات يجب أن ترسم على الطائرات الألمانية.
4- استخدام قوات سلاح الطيران لمهمات حربية بحتةء ورفع معنویات القوات المسلحة العراقية وتصميمها على المقاومة.
- تقديم الأسلحة على أساس الاتفاقية المعقودة مع الفرنسيين.
6 قيادة الدعاية في الشرق الأوسط والفكرة الأساسية "إن انتصار بلدان المحور سيجلب لبلدان الشرق الاأوسط التحرر من النير البريطاني» وبهذا يوقر لها الحق في تقرير المصير. لذا من يعشق الحرية يجب عليه أن يناضل ضد إنكلترة" علما بأنه لا يجوز الدعاية ضد السيطرة الفرنسية.
-160-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997.
7- إذا جرى في المستقبل استخدام العسكريين الإيطاليين في العراق فينبغي التعاون معهم على أساس الأمر الحاليء ينبغي السعي لكي يكونوا خاضعين لقائد البعثة العسكرية الاألمائية(.
فعندما أصدر هتلر تعليماته رقم 30 فإنه لم يدرك إدراكا تاما مدى أهمية العراق والبلاد العربية بالنسبة لوضع بريطانية» وكذلك لم ير أبعمدمن هذه الخطوة الصغيرة وغير الكافية. لقد رأى بأن تحطيم الاتحاد السوفيتي يجب أن يحتل كل اهتمامه أولا وأن على المشاريع الأخرى أن تنتظر. و لذلك قال هتلر: 'وليس في الإمكان اتخاذ قرار نهائي بصدد ما إذا كان في الإمكان شن هجوم على قناة السويس» لإخراج بريطانية نهائيا من مراكزها بين المتوسط والخليج العربي» وكذلك بصدد ما يلزم لهذا الهجوم من وسائل قبل الانتهاء من عملية ڊاربارİwg "Barbarossa .
وقام فيلمي بالتوجه إلى العراق متوقفا في حلب في 21 أيار»ء ولكن الوقت كان متأخرا جداء واستمرت النازية الألمانية بالنظر إلى المنطقة العربية بأنها ذات أهمية جانبية لمتابعة الحرب. فبعد نهاية الحكم الوطني في العراق في أواخر أيارء وانهيار حكومة رشيد عالي الكيلاني» سحب الألمان طائراتهم وبعتتهم العسكرية إلى سورية» وقد دأبت الحكومة الهتلرية على عدم القيام بأي نشاط في سورية»ء فقد أصدر کیتل 1٥؛!٤× ۷111٥1۳ رئيس أركکان الجیش الألماني أمره بالحيطة المطلقة طالما أن المسائل لم تتوضح مع حكومة فيشيء كما امر ريبنتروب p٥۲٤1٥ططذR "1طءهه[ وزير خارجية ألمانيةء الطائرات الألمانية في سورية بالامتناع عن مهاجمة القوات البريطانية. فالقيادة الهتلرية لم تبذل كل ما في وسعها للاحتفاظ بسورية والسبب هو الحملة الروسيةء وهذا ما ساعد الجيوش البريطانية وقوات فرنسة الحرة على احتلال سورية وإسقاط حكومة فيشي والنازيين.
-161-
وقد أصبحت مهمة الأركان الخاصة ف بالتسلل إلى العراق تحت مظهر
بعثة عسكرية مستحيلة بعد انهيار الثورة العراقيةء لذا كلف المسؤول في وزارة الخارجية الألمانية ران ١طهR 1ن۸ .51 في 20 حزيران أن ينقل إلى الجذرال فيلمي قرار هتلر باستدعاء القوات النازية من سوريةء ونقلها إلى جنوب اليونان. وأثناء قيام الثورة العراقية تظاهر الطلبة العرب في برلين»ء وطالبوا الحكومة الألمانية بإعطائهم السلاح» ونقلهم إلى العراق ليقاتلوا الإنكليز إلى جانب الجيش العراقي. فاستجابت ألمانية لطلبهم» ونقلت من أراد إلى معسكر للتدريب في غرب ألمانية. وعندما انتهت الثررة العراقيةء قامت ألمانية بنقلهم إلى اليونان ليتموا تدريبهم العسكري في رأس سونيون )up¢eS11101 قرب أثينةء وقد انضتّم إليهم في رأس سونيون الشباب والعسكريون الذين هربوا من العراق بعد القضاء على ثورة رشيد عالي الكيلاني.
خطط القواد العسكريون والسياسيون النازيون لغزو المنطقة العربية بعد غزو الاتحاد السوفيتي. وأملت ألمائية النازية بعد غزو الاتحاد السوفيتي في حزيران 1941 وإنهاء الأوضاع لصالحهم في تشرين الأول 1941ء أنه سيكون في مقدورها القيام باحتلال البلاد العربية في أوائل 1942. وقد نص أمر القيلدة الألمانية الهتلرية رقم 32 تاريخ 11 حزيران 1941 على: الاستعداد لفترة مها بعد تحقيق بارباروسا أن يواصل الجيش الألماني القتال في نهاية خريف 1941 وشتاء عام 1942-1941 ضد إنكلترة في الشرقين الأدنى والأوسط عن طريق القيام بهجوم من ليبية عبر مصر؛ ومن بلغارية عبر تركية ومن القوقاز عبر
إيران إلى العراق.
رأں سونيون بجذوب اليونان› وقد حددت a الاركاد اا عندما
أضيف إلى الأمر 32 التوجيه رقم 32ء وأصدر الجنرال فارليموت Water Warlimontr نائب رئيس أركان القيادة العملياتية للجيش الألماني
-162-
مجلة دراسات تاريخية-العددان 60-59-كانون2-نيسان-1997. د. طليعة الصيا
وثيقة توجيهية موقعة في 21 أيلول 1941» نصّت على تعليمات للأركان الخاصة ف» حيث أسند للاركان الخاصة ف حقوق المرجع المركزي لجميع مسائل العالم العربي التي تمس القوات الألمانيةء بالإضافة إلى تعليمات أخرى كثيرة)» وبموجب الأمر 32 وضع تحت قيادة الأركان الخاصة ف أفضل الخبراء والعملاءء وكان مجال عمل الأركان الخاصة ذا طبيعة مركبةء حيث يشمل الأعمال الدعائية والتخريب والجاسوسية»ء والأعمال العسكرية. وقد وأضيع تحت تصرف الأركان الخاصة ف الدکتور فریتس èرgڊI Dr. Fritz Grobba مفوضا عاما في شؤون البلدان العربية ووأضيعت الأركان الخاصة ف تحت القيادة المباشرة لقائد هيئة الأركان العامة الجنرال كيتل» أما المسائل السياسية فكان يجري تنسيق أعمالها في وزارة الخارجية. كانت قيادة الأركان الخاصة ف تتلقى التوجيهات من الأقسام التالية التابعة لأركان القيادة العامة العليا للقوات المسلحة الألمانية: قسم القيادة العملياتيةء قسم الدفاع عن البلادء قسم الدعايية ودائرة المخابرات وقلم مكافحة التجسس.
تالفت الأركان الخاصة ف في خريف 1941 من الجنرال الجوي فيلمي» ٠: ورئيس هيئة الأركان الرائد مايرريكس ءطءذR إمرم)۷" والعقيد نيدر مماير 'Niedrmayer و20 ضابطا و200 صف ضابط وجندي تابعين للجیش الالماني» بالإضافة إلى العرب الذين بلغ عددهم 27 عربياً. كان من ضمن واجبات الأركان الخاصة ف إنشاء وحدة 288 ائخاصؤة Sonderverband 288 بحيث تكون ذات بنية تستطيع تنفيذ المهمات الشاقة بوجه خاص بما في ذلك في الصحراء”ء شكلت الوحدة 288 في بوتسدام بألمانية كوحدة مزودة بالآليات» وتألفت من 2200 ضابط وجندي» موزعين على 3 سرايا للمشاة وعدة مففارز أخرى من مختلف أصناف القوات. قامت الأركان الخاصة ف في شهر تموز 1 بتشكيل فرقة تدريبية من العرب» لأجل استخدامها لاحقا في "الصحراء السورية الكبرى" وكانت تضم طلابا عربا يدرسون في ألمانية وكذلك من
-163-
عسكريين نقلوا إلى ألمانية من سوريةء وهم من أتباع أمين الحسيني وفوزي القاوقجي. وفي الفترة نفسها قام الرائد ريكس ماير بنقل أكثر من 200 عربي بجوازات سفر ألمانية إلى تركية'ء وغالبية المتطوعين العرب غر بهم من أجل الدراسة في ألمانيةء وقد موا إلى ثماني مجموعات دراسية لمختثلف أصناف القوات» وكانوا يرتدون الزي العسكري الألماني ويتدربون على أيسدي ضباط ألمان يجيدون اللغة العربية. سافر غروبا من 28 آب وحتى 2 أيلول إلى اليونان» حيث زار الأركان الخاصة في رأس سونيون واطلع على تنظيم وسير الإعداد لوحدة 288 التي تم تشكيلها في بوتسدام. لقد كانت وحدة 288 معدة للعمليات القتالية في الصحراء السورية في المنطفة الواقعة بين سورية والعراق (بعد تنفيذ خطة بارباروسا) حيث سيتم تقسيمها إلى وحدات متتالية مغيرة تحارب سوية مع القوات العربية النظامية والمتطوعة'.
أقنعت هزيمة القوات الهتلرية أمام موسكو في كانون الأول 1941 القيادة السياسية والعسكرية في ألمانية بأنه يجب الاستعداد والتهيؤ إلى حرب مضئية وطويلةء بالإضافة إلى هذه الهزيمة قد نضبت موارد الاقتصاد الحربية وبشكل خاص الموارد الأولية'ء ولذا أصبح من الضروري احتلال المناطق الغنية بالموارد الطبيعية في الاتحاد السوفيتي. وقد عبر هتلر في 3 كانون الثاني 2 أمام السفير الياباني اوشيما 4١1ئ0 عن عزمه بالعودة مرة ثانية بالهجوم تجاه